المؤسس الذي يقول "فريقي لم يصل بعد" — هل يقيّم فريقه فعلاً؟ أم يؤجّل اليوم الذي سيكتشف فيه أنهم وصلوا، وأنه لا يعرف من يكون بعدها؟
في بداية أي شركة، يكون من الطبيعي أن يمر كل شيء عبر المؤسس. فهو من يعرف العميل أكثر من أي أحد، وهو من يبني الفريق، وهو من يضع المعايير، ولذلك يصبح تدخله في كل قرار جزءًا من نجاح الشركة، لا مشكلة فيها.
لكن المشكلة أن كثيرًا من المؤسسين يستمرون في إدارة الشركة بالطريقة نفسها، حتى بعد أن تتغير الشركة نفسها. يكبر الفريق، وتزداد خبرته، وتظهر قيادات جديدة، بينما يبقى المؤسس يتصرف وكأن كل شيء ما زال يعتمد عليه وحده.
ولهذا، كلما سمع عبارة: "حان وقت التفويض"، كان جوابه جاهزًا: "ليس بعد... الفريق لم يصل لهذه المرحلة." قد يبدو هذا تفسيرًا منطقيًا، وربما يكون هو نفسه مقتنعًا به، لكن السؤال الذي يستحق أن يتوقف عنده هو: هل الفريق فعلاً لم يصل؟ أم أن هناك شيئًا آخر لم يصل إليه هو بعد؟
الغريب أن المؤسس لا يشعر أبدًا أنه يتهرب من التفويض. على العكس، هو يرى نفسه شخصًا واقعيًا، يحمي شركته من المخاطر، ولذلك تبدو كل مبرراته منطقية جدًا بالنسبة له. فهو لا يقول: "لا أريد أن أفوض." بل يقول: "ليس الآن." وكلمة "ليس الآن" تبدو مطمئنة، لأنها تعطيه إحساسًا بأنه سيفوض لاحقًا، دون أن يضطر إلى مواجهة القرار اليوم.
ومع مرور الوقت، تتحول عبارة "ليس الآن" إلى محطة مؤقتة يسكن فيها سنوات. في كل مرة يقترب فيها الفريق من المستوى الذي ينتظره، يظهر شرط جديد، أو معيار جديد، أو سبب جديد للتأجيل. وكأن خط النهاية يتحرك كلما اقترب منه الفريق، لا لأن الفريق لا يتطور، بل لأن شعور الأمان لا يتطور بالسرعة نفسها.
لهذا، ربما يكون السؤال الحقيقي مختلفًا تمامًا. فبدل أن تسأل نفسك: "هل فريقي جاهز؟" اسأل: "ما الذي أحتاج أنا أن أشعر به حتى أصدق أنه أصبح جاهزًا؟" لأن الفرق بين السؤالين كبير. الأول يبحث في قدرات الفريق، أما الثاني فيبحث في القانون الداخلي الذي يجعلك ترى الفريق بعين معينة، مهما تغير الواقع أمامك.
لنفترض للحظة أن فريقك أصبح جاهزًا فعلاً، وأنك اقتنعت بهذا الأمر، وقررت أن تترك لهم مساحة أوسع لإدارة الشركة. ماذا تتوقع أن يحدث؟ قد تقول: "ربما سيرتكبون بعض الأخطاء." وهذا صحيح، فكل فريق يتعلم بالأخطاء. لكن... هل هذا هو أكثر ما يخيفك فعلاً؟
أعتقد أن هناك سؤالًا أعمق يختبئ خلف كل هذا. لأن الخطأ يمكن إصلاحه، والقرارات يمكن مراجعتها، والخسائر يمكن تعويضها. أما الشيء الذي يصعب على كثير من المؤسسين مواجهته، فهو لحظة يكتشف فيها أن الشركة بدأت تنضج... وأنها لم تعد تحتاج حضوره في كل تفصيلة كما كانت في السابق. هذه لحظة جميلة من الخارج، لكنها قد تكون مربكة جدًا من الداخل.
لأننا، دون أن نشعر، لا نبني الشركات فقط... بل نبني معها صورة عن أنفسنا. صورة الرجل الذي يعرف كل شيء، الذي تُحل المشكلات بوجوده. والذي لا تمضي الأمور إلا إذا مرّت من مكتبه. ومع مرور السنوات، لا تصبح الإدارة اليومية مجرد مسؤولية، بل تتحول إلى جزء من الهوية. ولهذا، حين يطلب منك أحد أن تترك بعض هذه المسؤوليات، قد يشعر جزء داخلك أنه لا يطلب منك تغيير طريقة الإدارة فقط... بل يطلب منك أن تعيد تعريف نفسك من جديد.
ولهذا السبب، قد يكون ما يمنعك من التفويض ليس نقصًا في كفاءة الفريق، بل قانونًا داخليًا تشكل مع السنوات، يقول لك بصمت: "طالما أن الشركة تحتاجني في كل شيء... فأنا ما زلت أقودها كما ينبغي." وهنا تبدأ المشكلة. لأن هذا القانون لا يجعلك تقيس نضج الفريق فقط... بل يجعلك تقيس قيمتك أنت، من خلال مقدار حاجة الشركة إليك.
إذا بدأت تشك في وجود هذا القانون الداخلي، فلا تحاول أن تكتشفه من خلال الأفكار التي تدور في رأسك، بل راقب نفسك في المواقف الصغيرة. لأن القوانين الداخلية نادرًا ما تعلن عن نفسها بالكلمات، لكنها تظهر بوضوح في ردود أفعالنا التلقائية.
راقب نفسك عندما يقترح عليك أحد أن تبتعد عن الشركة لبضعة أيام. هل تشعر براحة لأن فريقك أصبح قادرًا على إدارة الأمور؟ أم يظهر داخلك قلق لا يتناسب مع مجرد إجازة؟ أحيانًا لا يكون هذا القلق خوفًا من أن تسوء الأمور، بل خوفًا من أن تسير الأمور على ما يرام... دونك.
وراقب نفسك عندما يتخذ أحد مديريك قرارًا جيدًا دون الرجوع إليك. هل تشعر بالفخر لأنك بنيت شخصًا قادرًا على تحمل المسؤولية؟ أم تجد نفسك تبحث، دون قصد، عن ملاحظة أو تعديل أو تعليق تضيفه؟ ليس لأن القرار كان ناقصًا، بل لأن جزءًا ما منك ما زال يربط حضوره بالتدخل.
هذه المواقف تبدو بسيطة جدًا، لكنها تكشف شيئًا مهمًا. فالقانون الداخلي لا يظهر عندما تكون الأمور تحت السيطرة، بل يظهر عندما يبدأ الواقع في تحديه. وعندما تقترب الشركة من مرحلة لم تعد تحتاج فيها إلى وجودك المستمر، يبدأ هذا القانون بالدفاع عن نفسه، ويقنعك أن المشكلة ما زالت في الفريق، بينما الحقيقة قد تكون في الصورة التي تحملها عن دورك داخل الشركة.
ربما لهذا السبب، لا أرى أن التفويض هو المهارة التي يحتاجها المؤسس في هذه المرحلة، بل أراه نتيجة لتغيير أعمق. لأن المؤسس في بداية الرحلة يُكافأ على حضوره في كل شيء، وعلى تدخله في كل قرار، وعلى قدرته أن يحمل الشركة فوق كتفيه. لكن مع نمو الشركة،
تتغير اللعبة بالكامل. ما أوصلك إلى هذه المرحلة، قد لا يكون هو ما سيأخذك إلى المرحلة التالية.
في مرحلة التوسع، لم يعد نجاحك يُقاس بعدد المشكلات التي استطعت حلها بنفسك، بل بعدد الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على حلها دون أن ينتظروك. هنا يتحول دورك من الشخص الذي يدير العمل، إلى الشخص الذي يبني نظامًا يستطيع أن يعمل حتى عندما لا يكون موجودًا.
ولهذا، فالتفويض ليس تنازلًا عن المسؤولية كما يتخيل كثير من المؤسسين، بل هو انتقال إلى مسؤولية أكبر. أنت لم تعد مسؤولًا عن اتخاذ كل قرار، بل أصبحت مسؤولًا عن بناء بيئة تنتج قرارات جيدة حتى في غيابك. وهذه هي النقلة التي تصنع الفرق بين شركة تدور حول مؤسسها، وشركة تمتلك القدرة على النمو باستمرار.
ولهذا أسألك سؤالًا مختلفًا: عندما تكبر شركتك، ما الذي تريد أن يكبر معها؟ عدد القرارات التي تمر عبر مكتبك؟ أم عدد الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على اتخاذ القرار بثقة لأن بنيتهم جيدًا؟
