سلسلة المؤسسين

ماذا تقول نتائج مدير واحد عن ثقافة شركتك؟

وردة٢٣ أغسطس ٢٠٢٦8 دقائق قراءة٠
ماذا تقول نتائج مدير واحد عن ثقافة شركتك؟

تقول إن الثقافة لا تُقاس بالأرقام. لكن هل السؤال الحقيقي هو كيف تقيسها — أم ماذا تقول نتائج هذا المدير عن الثقافة التي بنيت عليها شركتك منذ البداية؟

لا أحد يستطيع أن ينكر ما يحققه هذا المدير. كل اجتماع تنفيذي ينتهي بالأرقام نفسها؛ نمو يتجاوز المتوقع، وأهداف تتحقق قبل موعدها، ونتائج تجعل المستثمرين يذكرون اسمه بإعجاب كلما اجتمعوا معك. ومن الخارج، يبدو وكأن وجوده مكسب لا يمكن التفريط فيه. لكن هناك صورة أخرى لا تظهر في التقارير.

كلما مررت على فريقه، شعرت أن المكان هادئ أكثر مما ينبغي. ليس هدوء فريق يعرف ما يفعل، بل هدوء أشخاص تعلّموا أن الصمت أمانًا من الكلام. الأفكار تُقال بحذر، والأسئلة تُؤجل، والناس تنفذ المطلوب، لكنها لم تعد تعمل بالحماس الذي كنت تحلم أن تبني عليه شركتك. وأنت ترى كل هذا. ولست بحاجة إلى تقرير جديد ليقنعك أن هناك شيئًا يتآكل ببطء. ولهذا، اتخذت القرار أكثر من مرة. قلت لنفسك: "سأتحدث معه." ثم جاء اجتماع المستثمرين، فقلت: "ليس الآن." ثم حقق أفضل نتائج الربع، فقلت: "بعد انتهاء هذه المرحلة."

ثم حدث موقف جديد مع الفريق، فعاد القرار إلى ذهنك من جديد... ثم عاد إلى المكان نفسه الذي يذهب إليه كل مرة: التأجيل. ولم يكن السبب أنك لا تعرف ما الذي ينبغي فعله. بل لأنك، في كل مرة تقترب فيها من هذه المواجهة، تشعر أنك لا تقترب من مدير واحد... بل تقترب من اختبار سيكشف، للمرة الأولى، إن كانت القيم التي تتحدث عنها منذ سنوات قادرة فعلًا على الصمود عندما يصبح ثمنها باهظًا.

قبل أن أكمل، أريد أن أوضح شيئًا مهمًا. أنا لا أعتقد أن كل ما تقوله لنفسك مجرد مبررات، ولا أظن أنك تختبئ خلف كلمات جميلة حتى تتجنب اتخاذ القرار. على العكس، كثير مما يدور في ذهنك يستحق أن يؤخذ بجدية، لأن خسارة مدير يحقق هذه النتائج ليست قرارًا بسيطًا، وأثره لن يتوقف عند شخص واحد، بل سيمتد إلى الأرقام، وإلى المستثمرين، وإلى الفريق كله. ولهذا، فمن الطبيعي أن تزن القرار من كل زاوية، وأن تحاول أن تتأكد أنك لا تتصرف بدافع انفعال عابر أو موقف فردي يمكن احتواؤه بطريقة أخرى. لكن هناك سؤالًا لا أستطيع تجاهله.

إذا كانت هذه الاعتبارات هي السبب الحقيقي للتأجيل، فلماذا لا يتغير شيء مع مرور الوقت؟ فالمدير يحقق نتائج أفضل، والشركة تكبر، وخبرتك كقائد تزداد، ومع ذلك لا تشعر أن القرار أصبح أوضح. بل يحدث العكس تمامًا؛ كل نجاح جديد يحققه، يجعل مواجهته أكثر صعوبة، وكأن الأرقام نفسها بدأت تمنحك سببًا جديدًا لتأجيل الحديث عن الثقافة.

وهنا أشعر أن القضية لم تعد قضية توقيت. لأننا لو انتظرنا اللحظة التي يصبح فيها هذا القرار خاليًا من الكلفة، فقد ننتظر إلى الأبد. وهذا ما يجعلني أعتقد أن ما يؤخر المواجهة ليس فقط

خوفك من خسارة مدير ناجح، بل خوف أعمق من اللحظة التي ستجد نفسك مضطرًا لأن تختار بين نتيجتين تؤمن بهما معًا؛ نتائج الشركة من جهة، والقيم التي كنت تقول دائمًا إنها غير قابلة للمساومة من جهة أخرى. ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: "متى ستكون المواجهة أقل تكلفة؟" بل: "هل أبحث فعلًا عن الوقت المناسب... أم أبحث، دون أن أشعر، عن قرار لا يطلب مني أن أدفع ثمن قيمي؟"

دعني أشاركك بما يحدث في تلك اللحظة، لأنني لا أظن أن ما يؤلمك حقًا هو فكرة مواجهة هذا المدير. المواجهة، في حد ذاتها، ليست جديدة عليك. لقد خضت محادثات أصعب منها، واتخذت قرارات أكثر قسوة منها، ودفعت أثمانًا كبيرة في مراحل سابقة من بناء شركتك. لكن هذه المرة مختلفة. لأنك لا تقف أمام مدير يحقق نتائج جيدة فقط. أنت تقف أمام سؤال يختبر علاقتك بالقيم التي كنت تقول دائمًا إنها أساس هذه الشركة.

ولهذا، لا يعود القرار مجرد نقاش حول أسلوب قيادة، أو حول بيئة عمل، أو حتى حول مستقبل هذا المدير داخل المؤسسة. بل يتحول، دون أن تشعر، إلى امتحان شخصي. فإذا اخترت الأرقام، قد تشعر أنك خنت المبادئ التي طالما دعوت إليها. وإذا اخترت الثقافة، فقد تجد نفسك مضطرًا إلى التخلي عن أحد أكثر المديرين قدرة على تحقيق النتائج. وهنا يبدأ الصراع الحقيقي.

ليس بين مدير وثقافة... بل بين صورتين تحملهما عن نفسك في الوقت نفسه. صورة القائد الذي يعرف كيف يحمي نمو الشركة. وصورة القائد الذي لا يساوم على القيم التي بنى عليها هذا النمو. وكلما طال هذا الصراع، بدأ سؤال آخر يتسلل بهدوء إلى الداخل: "ماذا لو اكتشفت، في أول اختبار حقيقي، أن قيمي لم تكن راسخة كما أعتقد؟"

وهنا يعمل القانون الداخلي. لأنه لا يخيفك من خسارة المدير وحدها... بل من الاحتمال الأكثر إيلامًا: أن تضطر إلى إعادة النظر في الصورة التي تحملها عن نفسك كقائد.

إذا أردت أن تعرف إن كان هذا هو ما يحدث معك فعلًا، فلا تراقب قرار المواجهة فقط. راقب ما يحدث في اللحظات الصغيرة التي تسبقه، لأنها، في الغالب، تكشف ما لا يقوله القرار نفسه. راقب نفسك عندما يصلك تقرير جديد عن أداء هذا المدير. هل تفرح بالأرقام وحدها، أم تشعر بذلك الإحساس المربك الذي يصعب وصفه؛ ارتياح لأن الشركة تحقق نتائج ممتازة، وانقباض لأنك تعرف الثمن الذي يدفعه الفريق للوصول إليها؟

وراقب نفسك عندما يروي لك أحدهم موقفًا حدث داخل فريقه. هل تتعامل معه باعتباره حادثة فردية ستحل مع الوقت، أم تشعر، للحظة قصيرة، أن ما سمعته يمس شيئًا أكبر يتعلق بالثقافة التي تريد أن تُبنى عليها شركتك، ثم تحاول بسرعة أن تعود للحديث عن النتائج؟ وانتبه أيضًا إلى طريقة تفكيرك عندما تؤجل المحادثة مرة أخرى. هل تقول لنفسك إنك تحتاج إلى معلومات أكثر، أم أنك، في أعماقك، تعرف ما يكفي منذ فترة، لكنك ما زلت تنتظر أن يأتي دليل يجعل القرار لا يحتاج منك إلى دفع هذا الثمن؟

وهناك علامة شديدة الدلالة. حين تبدأ، في كل مرة، بالبحث عن الطريقة المثالية للمواجهة، أو عن الكلمات التي لن تُغضب أحدًا، أو عن السيناريو الذي يحافظ على الأرقام والثقافة في الوقت نفسه، فقد لا تكون المشكلة أنك لم تجد الأسلوب المناسب. قد تكون المشكلة أنك ما زلت تأمل أن تجد قرارًا لا يختبر قيمك أصلًا. وهذا، في رأيي، هو المكان الذي يكشف فيه القانون الداخلي نفسه بأوضح صورة.

وربما هنا نحتاج أن نتوقف قليلًا، لا لنسأل عن هذا المدير، بل لنسأل عن معنى الثقافة نفسه. فنحن نتحدث عنها كثيرًا، ونكتبها في المواقع الرسمية، ونرددها في اجتماعات التوظيف، حتى يبدو وكأن الثقافة هي ما تقوله الشركة عن نفسها. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فالثقافة لا تتشكل بالكلمات التي نختارها، بل بالقرارات التي نتخذها عندما تصبح هذه الكلمات مكلفة. ولهذا، لا تُختبر الثقافة في الأيام التي تسير فيها الأمور كما نريد، ولا عندما تكون القيم منسجمة مع المصلحة. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح الالتزام بهذه القيم يعني التخلي عن نتيجة مبهرة، أو عن مدير استثنائي، أو عن مكسب يبدو، على المدى القصير، مهمًا جدًا.

ولهذا، لا أعتقد أن هذه المواجهة تدور بين مدير يحقق نتائج جيدة ومدير يسيء التعامل مع فريقه. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. أنت، في الحقيقة، تقف أمام اللحظة التي ستجيب فيها الشركة كلها عن سؤال لم يُطرح بصوت مرتفع من قبل: ماذا يحدث عندما تتعارض القيم مع النتائج؟ لأن الموظفين لا يتعلمون ثقافة المؤسسة من الكتيبات، ولا من الشعارات التي يسمعونها في الاجتماعات، بل من القرارات التي يشاهدون قائدهم يتخذها. إنهم يراقبون من تكافئ، ومن تحاسب، وما الذي تكون مستعدًا لحمايته عندما يصبح ثمن الحماية مرتفعًا. ومن هنا، فإن الإبقاء على مدير يحقق أرقامًا استثنائية رغم أنه يهدم الثقافة، لا يحافظ على النتائج فقط، بل يعلّم الجميع، دون أن تقول كلمة واحدة، أن النتائج هي اللغة التي تنتصر دائمًا عندما يبدأ التعارض.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل أواجه هذا المدير أم لا؟ بل: أي شركة أريد أن أبنيها بعد خمس سنوات؟ لأن الثقافة لا تنهار في يوم واحد، ولا بسبب قرار واحد، لكنها تتغير كل مرة يرى فيها الناس أن ما كُتب على الجدران يتراجع أمام ما يظهر في التقارير. ومنذ تلك اللحظة، لا يعود الموظفون يتعاملون مع القيم باعتبارها قواعد تحكم العمل، بل باعتبارها كلمات جميلة تُقال ما دامت لا تتطلب تضحية. أما الشركة التي يختار قائدها أن يدفع ثمن قيمه، حتى عندما يكون الثمن مؤلمًا، فهي لا تحمي ثقافتها فحسب، بل تبني الثقة التي ستقف عليها كل قراراتها في المستقبل.

وربما لهذا السبب، لا أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه المواقف هو أن تخطئ في تقييم مدير، أو أن تتخذ قرارًا ثم تكتشف لاحقًا أنه لم يكن القرار الأمثل. فالشركات تستطيع أن تتعافى من كثير من الأخطاء، وأن تصحح كثيرًا من القرارات مع مرور الوقت.

لكن ما يصعب إصلاحه حقًا، هو الرسائل الصامتة التي يتعلمها الناس من الطريقة التي نتعامل بها مع هذه القرارات. فكل مرة يرى فيها الفريق أن النتائج قادرة على إسكات القيم، يصبح

الدفاع عن الثقافة في المرة التالية أكثر صعوبة، لأن الجميع يكون قد تعلم، دون أن يقال له ذلك، أيهما يملك الأخيرة عندما يبدأ التعارض.

وأخيرًا، فالثقافة ليست شيئًا نكتبه في دليل الموظف، ولا عبارة نرددها في الاجتماعات السنوية، بل هي الذاكرة التي تبنيها القرارات اليومية داخل الشركة. وكل قرار تؤجله اليوم، لأنه يضع قيمك في اختبار حقيقي، لا يؤجل المواجهة فقط، بل يشارك، بصمت، في كتابة الثقافة التي سيعيشها فريقك غدًا.

النشرة البريدية

مقال جديد كل أسبوع، دون حشو ولا وعود كبيرة.

التعليقات · ٠