*اعمل حتى تنجح. وربما أوصلتك لما أنت عليه الآن. لكن هل سألت نفسك يومًا: ما الذي دفعته ثمنًا لها؟*
لو تأملت قليلًا في هذه الجملة، ستكتشف أنها ليست مجرد نصيحة عابرة مرّت عليك في كتاب أو بودكاست ثم نسيتها. إنها من تلك الجمل التي تدخل إلى وعينا بهدوء، ثم تبدأ، مع مرور الوقت، في تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى العالم من حولنا. ففي البداية تسمعها باعتبارها فكرة مشجعة، ثم تكررها على مسامعك كلما شعرت بالتعب، وبعد سنوات، قد تكتشف أنك لم تعد تحتاج إلى أحد ليقولها لك، لأنها أصبحت الصوت الذي يتحدث من داخلك.
ولهذا تبدو الجملة إلى هذا الحد. فكلما نظرت حولك، وجدت قصصًا لمؤسسين يتحدثون عن سنوات من السهر، وعن أيام طويلة من العمل المتواصل، وعن تضحيات كبيرة سبقت النجاح. ومع كثرة تكرار هذه القصص، يبدأ العقل في بناء علاقة تبدو منطقية جدًا: إذا كان كل هؤلاء قد وصلوا لأنهم عملوا أكثر، فلا بد أن العمل الأكثر هو الطريق الطبيعي إلى النجاح. ومن هنا، لا تعود الجملة مجرد رأي، بل تتحول إلى عدسة تفسر بها كل ما تراه؛ الناجح هو من عمل أكثر، والمتعب هو من لم يتحمل بما يكفي، والراحة تبدو، شيئًا فشيئًا، وكأنها ابتعاد عن الطريق.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تساعدك فكرة على الاجتهاد، وبين أن تتحول إلى العدسة الوحيدة التي ترى بها النجاح. لأن العدسة، عندما تستقر في وعينا، لا تكتفي بتفسير الواقع، بل تبدأ في حذف كل ما لا ينسجم معها. فتصبح القصص التي تؤكدها واضحة أمامك، بينما تختفي القصص التي تناقضها، بل لأنك لم تعد تراها أصلًا.
ولهذا لا ينظر علماء السوسيولوجيا وتحليل الخطاب إلى مثل هذه العبارات بوصفها مجرد كلمات جميلة أو نصائح تحفيزية. فحين تتكرر جملة واحدة آلاف المرات، وتُرددها الكتب، والمنصات، والبودكاستات، وقصص النجاح، فإنها تبدأ في أداء وظيفة أكبر من نقل فكرة؛ إنها تساهم في تشكيل الطريقة التي نفهم بها النجاح، والطريقة التي نحاكم بها أنفسنا والآخرين.
وهذا ما يشرحه الباحث نورمان فيركلو في مفهومه عن تحليل الخطاب. فهو يرى أن الخطاب لا يكتفي بوصف الواقع، بل يشارك في بنائه، لأنه يحدد ما يبدو طبيعيًا، وما يبدو استثنائيًا، وما يستحق الإعجاب، وما يستحق اللوم. ومن هذه الزاوية، لم تعد عبارة "اعمل حتى تنجح" مجرد نصيحة تشجع على الاجتهاد، بل أصبحت خطابًا يصنع معيارًا اجتماعيًا، ثم يدفع الناس إلى قياس أنفسهم عليه، حتى ينسوا أن هذا المعيار نفسه قابل للنقاش، وليس قانونًا من قوانين الحياة.
لكن إذا كانت القراءة السوسيولوجية تطلب منا أن ننظر إلى ما تقوله الجملة، فهي تطلب منا أيضًا أن ننتبه إلى ما اختارت ألا تقوله. فكل خطاب، مهما بدا بسيطًا، يسلط الضوء على جزء من الواقع، وفي الوقت نفسه يترك أجزاءً أخرى في الظل، حتى تبدو أقل أهمية، أو كأنها لا تستحق أن تُروى أصلًا.
ولهذا، عندما تتكرر أمامنا عبارة "اعمل حتى تنجح"، فإنها تجعلنا نرى قصصًا معينة بوضوح شديد؛ قصص المؤسسين الذين واصلوا العمل حتى وصلوا، والذين يُروون دائمًا باعتبارهم الدليل الحي على صحة هذه الفكرة. لكننا، في المقابل، نكاد لا نسمع عن أولئك الذين عملوا بالقدر نفسه، وربما أكثر، ثم تعثروا لأسباب تتعلق بالسوق، أو بالتوقيت، أو بظروف لم يكن لهم يد فيها. ولا نسمع كثيرًا عن مؤسس نجح لأنه عرف متى يتوقف، أو لأنه بنى نظامًا جعله يعمل أقل لا أكثر، أو لأنه أدرك أن الإرهاق ليس ثمنًا لا بد منه لكل نجاح.
وهذا ما يلفت إليه الباحث تيون فان دايك حين يتحدث عن تحليل الخطاب؛ فالخطاب لا يكتفي باختيار الكلمات، بل يختار أيضًا ما يُبرز، وما يُهمَّش، وما يبقى خارج إطار الرؤية. ومن هنا، لا يصبح الصمت مجرد غياب للمعلومات، بل جزءًا من المعنى نفسه. فحين تغيب كل هذه القصص، يبدأ وعينا، من دون أن يشعر، في الاعتقاد أن النجاح لا بد أن يمر بالطريق نفسه، وأن أي طريق آخر هو استثناء لا يستحق الالتفات إليه.
لكن يبقى سؤال يستحق أن نتوقف عنده: إذا كانت هذه الجملة تُخفي كل هذا التعقيد، فلماذا لا تختفي؟ ولماذا ما زلنا نرددها بإعجاب، جيلًا بعد جيل، وكأنها حقيقة لا تحتاج إلى مراجعة؟
هنا أعتقد أن مفهومًا عند عالم الاجتماع بيير بورديو يساعدنا على فهم ما يحدث، وهو مفهوم رأس المال الرمزي. ويقصد به ذلك النوع من القيمة التي لا تأتي من المال أو المنصب، بل من الاعتراف الاجتماعي الذي يحصل عليه الإنسان عندما يجسد السلوك الذي يقدِّره المجتمع. فالناس لا يكافئون دائمًا بالرواتب، بل أحيانًا بالإعجاب، والاحترام، والهيبة، والشعور بأنه "واحد منا".
ومن هذه الزاوية، لا تعود عبارة "اعمل حتى تنجح" مجرد نصيحة تدفعك إلى الاجتهاد، بل تصبح أيضًا طريقًا للحصول على هذا الاعتراف. فالمؤسس الذي يعمل ست عشرة ساعة في اليوم لا يُنظر إليه باعتباره مجتهدًا فقط، بل باعتباره أكثر التزامًا، وأكثر استحقاقًا للإعجاب، وأقرب إلى الصورة التي رسمتها الثقافة لرائد الأعمال الحقيقي. وهكذا، لا تنتشر الجملة لأنها تفسر النجاح بدقة، بل لأنها تمنح من يعيش وفقها مكانةً رمزية يصعب عليه التخلي عنها، حتى لو بدأ يدفع من صحته، وعلاقاته، وسلامه النفسي ثمنًا لذلك.
والمشكلة أن الخطابات لا تبقى خارجنا طويلًا. فهي، مع كثرة تكرارها، تتحول تدريجيًا إلى الطريقة التي نحاكم بها أنفسنا، حتى ننسى أنها جاءت من الخارج في الأصل. وبعد سنوات، قد تكتشف أنك لم تعد تحتاج إلى أحد ليذكرك بعبارة "اعمل حتى تنجح"، لأنك أصبحت أنت من يرددها لنفسه كلما حاول أن يتوقف.
ولهذا، عندما تغلق حاسوبك في نهاية يوم طويل، قد لا تشعر بالراحة، بل بالذنب. وحين تقرر أن تمنح نفسك إجازة، قد يبدو الأمر في داخلك وكأنه تقصير، لا استعادة لطاقتك. وعندما ترى مؤسسًا آخر يتحدث بفخر عن عدد الساعات التي يعملها، قد تجد نفسك، دون أن تشعر، تعيد تقييم التزامك أنت، لا لأن أداء شركتك تراجع، بل لأن الخطاب الذي تعيش داخله عُلّمك أن تقيس جديتك بعدد الساعات، لا بجودة القرارات التي تتخذها.
وهكذا، لا تعود الجملة مجرد عبارة سمعتها في يوم من الأيام، بل تتحول إلى قانون داخلي صامت، يرافقك في قراراتك اليومية، ويحدد متى تشعر بالرضا عن نفسك، ومتى تشعر بأنك لم تفعل ما يكفي. وعندما تصل إلى هذه المرحلة، لا يكون الخطاب قد أقنعك بفكرة فحسب، بل يكون قد نجح في أن يجعل صوته يبدو وكأنه صوتك أنت.
بعد كل هذا، قد يبدو لك أن المشكلة تكمن فيك أنت. وأنك الشخص الذي لا يعرف كيف يرتاح، أو الذي يبالغ في الضغط على نفسه، أو الذي يشعر بالذنب كلما ابتعد قليلًا عن العمل. لكن هنا تحديدًا يدعونا عالم الاجتماع سي. رايت ميلز إلى استخدام ما سماه الخيال السوسيولوجي؛ أي القدرة على أن نرى العلاقة بين ما نعيشه كأفراد، وبين الثقافة والنظام الاجتماعي اللذين شكّلا طريقتنا في التفكير دون أن نشعر.
ومن هذا المنظور، لا يعود الشعور بالذنب عند التوقف عن العمل مجرد سمة شخصية، ولا يصبح الإرهاق دليلًا على ضعفك في إدارة حياتك، بل يتحول إلى أثر طبيعي لخطاب ظل يتكرر أمامك سنوات طويلة، حتى أقنعك أن قيمتك تُقاس بإنتاجيتك، وأن الراحة تحتاج دائمًا إلى تبرير، بينما العمل لا يحتاج إلى أي تبرير.
ولهذا، فإن الخطوة الأولى للتحرر من هذا الخطاب لا تبدأ بأن تعمل أقل، ولا بأن ترفض قيمة الاجتهاد، بل بأن تستعيد حريتك في النظر إليه. أن تدرك أن عبارة "اعمل حتى تنجح" ليست قانونًا يحكم الحياة، بل طريقة واحدة للرؤيتها، صنعتها ظروف ثقافية واقتصادية محددة، ويمكن أن تناقشها، وأن تختلف معها، وأن تختار، بوعي، ما يناسب الإنسان الذي تريد أن تكونه، لا الإنسان الذي طُلب منك أن تكونه.
