سلسلة المؤسسين

حين يصبح إغلاق المشروع تهديدًا للهوية

وردة٢٣ أغسطس ٢٠٢٦5 دقائق قراءة٠
حين يصبح إغلاق المشروع تهديدًا للهوية

قبل عامين، كان ياسر يتحدث عن هذا المشروع بحماس لا يخفى على أحد. لم يكن مجرد استثمار جديد، بل الفكرة التي يراهن عليها، والمشروع الذي أعاد ترتيب وقته، وأمواله، وخططه من أجله. ومع مرور الأشهر، بذل كل ما يستطيع بذله؛ غيَّر المنتج أكثر من مرة، وعدَّل نموذج العمل، واستمع للعملاء، واستشار الخبراء، وجرب مسارات مختلفة، لأنه كان مؤمنًا أن أي مشروع يحتاج إلى وقت حتى يجد مكانه في السوق.

لكن بعد سنتين، أصبحت الصورة أوضح مما كانت في البداية. الأرقام لا تتحسن، والمؤشرات كلها تشير إلى أن الاستمرار لن يغيِّر النتيجة كثيرًا. حتى ياسر نفسه لم يعد يناقش هذه الحقيقة. كان يراها بوضوح، ويعرف أن إغلاق المشروع أصبح، من الناحية التجارية، القرار الأكثر عقلانية.

ومع ذلك، كلما جلس ليكتب قرار الإغلاق، أو ليعلن انتهاء المشروع، كان يتراجع في اللحظة الأخيرة. ليس لأنه اكتشف فرصة جديدة، ولا لأن تقريرًا جديدًا غيَّر المعطيات، بل لأن شيئًا في داخله لم يكن مستعدًا بعد لما سيأتي بعد القرار. كان يعرف كيف يتخذ القرار على الورق، لكنه لم يكن يعرف كيف يبقى متماسكًا بعد اتخاذه. ولهذا، لم تكن المشكلة أنه لا يرى الحقيقة... بل أنه لم يمتلك بعد القدرة التي تجعل الإنسان يغلق فصلًا من حياته، دون أن يشعر أن شيئًا منه قد انهار معه.

ولهذا، فمن الطبيعي أن يسمع ياسر تفسيرات كثيرة لما يحدث معه. سيقال له إنه يخاف من الفشل، أو إنه تعلَّق بالمشروع أكثر مما ينبغي، أو إنه يحتاج إلى مرونة أكبر في التفكير حتى يعرف متى يتوقف ومتى يبدأ من جديد. وقد ينصحه البعض بقراءة كتب تتحدث عن العقلية النمائية، أو بحضور ورش عمل تشرح كيف يتعامل رائد الأعمال مع الإخفاق باعتباره تجربة يتعلم منها لا نهاية لطريقه.

وربما يستفيد فعلًا من بعض هذه النصائح، لكنها، في رأيي، لا تفسر ما يحدث في تلك اللحظة التي يقترب فيها من اتخاذ القرار ثم يتراجع. لأنها تنظر إلى المشكلة وكأنها نقص في المعرفة أو في طريقة التفكير، بينما ياسر، في الحقيقة، يعرف ما ينبغي أن يفعله. هو لا يحتاج إلى من يقنعه بأن المشروع وصل إلى نهايته، ولا إلى من يشرح له معنى الفشل أو أهمية التجربة، لأن كل ذلك أصبح واضحًا له منذ فترة.

ولهذا أشعر أن السؤال الذي نطرحه منذ البداية ليس هو السؤال المناسب. فنحن نسأل: لماذا لا يُغلق المشروع؟ بينما السؤال الذي يُطرح هو: ما الذي يجعل إنسانًا يعرف القرار الصحيح، ويقتنع به، ثم يعجز عن البقاء متماسكًا في اللحظة التي يصبح فيها هذا القرار واقعًا؟ لأن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين البحث عن تفسير للسلوك... والبحث عن القدرة التي لم تُبنَ بعد.

لو تأملنا ما ينقص ياسر في هذه اللحظة، سنكتشف أنه ليس مزيدًا من الشجاعة، ولا مزيدًا من الإصرار، ولا حتى قدرة أكبر على تقبُّل الفشل. فكل هذه العناوين تبدو صحيحة من بعيد، لكنها تصبح عامة جدًا عندما نقترب من التجربة التي يعيشها فعلًا.

ما يحتاجه ياسر هو شيء أكثر دقة من ذلك. فهو لا يبحث عن القدرة على إغلاق المشروع، لأنه يعرف كيف يفعل ذلك، ولا يبحث عن القدرة على اتخاذ القرار، لأنه اتخذه في داخله مرات كثيرة. ما ينقصه، في الحقيقة، هو القدرة على أن يبقى مستقرًا بعد أن يُغلق هذا الفصل، من دون أن يشعر أن المشروع كان يحمل تعريفه لنفسه، وأن نهايته تعني نهاية جزء من هويته.

ولهذا، فأنا لا أصف هذه القدرة بأنها "تقبُّل الفشل"، لأن المشكلة ليست في الفشل نفسه، بل في العلاقة التي نشأت بين المشروع وصورة ياسر عن نفسه. فالقدرة التي أتحدث عنها هي القدرة على تحرير الهوية من نتائج التجربة؛ أن يستطيع الإنسان أن يقول: هذا المشروع لم ينجح، من دون أن تتحول هذه الجملة، في داخله، إلى: أنا مؤسس فاشل. وعندما تُبنى هذه القدرة، يصبح إغلاق المشروع نهاية لتجربة، لا نهاية لهوية، وبداية لمساحة جديدة يستطيع أن يبني فيها شيئًا آخر، من دون أن يحمل معه عبء إثبات نفسه في كل مرة يبدأ فيها من جديد.

المفارقة أن الصفة التي تجعل ياسر عاجزًا اليوم عن إغلاق المشروع، هي نفسها الصفة التي كان الجميع يمدحه عليها في بداية رحلته. فقد تعلَّم منذ سنوات أن المؤسس الحقيقي لا يتراجع بسرعة، وأن الأفكار الكبيرة تحتاج إلى صبر، وأن النجاح غالبًا يذهب لمن يحتمل أكثر من غيره. ولم يكن هذا التعلم خاطئًا، بل ربما كان أحد الأسباب التي جعلته يتجاوز مراحل كان غيره سيتوقف عندها.

لكن المشكلة أن العقل لا يميز دائمًا بين المواقف التي يحتاج فيها إلى الاستمرار، والمواقف التي تصبح فيها القدرة على التوقف هي القرار الأكثر نضجًا. وهكذا، تتحول المهارة نفسها التي ساعدته على النجاة في مرحلة، إلى السبب الذي يجعله يبقى عالقًا في مرحلة أخرى. وليس لأنه يفتقر إلى الإرادة، بل لأنه لم يتعلم بعد أن النضج القيادي لا يظهر فقط في معرفة متى تصبر، بل أيضًا في معرفة متى يكون إنهاء التجربة هو أكثر القرارات احترامًا لها، واحترامًا لنفسك.

وربما لهذا السبب، إذا سألت ياسر اليوم عمَّا يمنعه من إغلاق المشروع، فسيجيب بأنه يحتاج إلى مزيد من الشجاعة، أو إلى أن يتقبَّل الفشل بصورة أفضل. لكنه، بعد أن ينظر إلى ما يحدث من هذه الزاوية، سيكتشف أن المشكلة لم تكن يومًا في قدرته على تحمُّل الخسارة، بل في أن المشروع أصبح يحمل، جزءًا من تعريفه لنفسه.

وعندما تختلط هوية المؤسس بمصير مشروع واحد، يصبح كل قرار تجاري قرارًا شخصيًا، ويصبح إغلاق المشروع أشبه بالحكم على الذات، لا بتقييم تجربة. ولهذا، لا يعود الإنسان يدافع عن المشروع لأنه ما زال يراه واعدًا، بل لأنه يحاول، في مستوى أعمق، أن يحمي الصورة التي بناها عن نفسه عبر سنوات من العمل عليه.

ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي. ليس عندما يتعلم المؤسس كيف يغلق مشروعًا، بل عندما يبني القدرة التي تسمح له بأن يفصل بين قيمة التجربة وقيمته هو، وبين نهاية المشروع ونهاية هويته. وعندها فقط، يصبح قادرًا على إنهاء تجربة بكل احترام، وأن يبدأ أخرى بكل ثقة، لأن ما يحمله معه إلى المشروع الجديد ليس عبء إثبات نفسه، بل خبرة إنسان تعلّم أن هويته أكبر من أي نجاح، وأكبر من أي إخفاق أيضًا.

النشرة البريدية

مقال جديد كل أسبوع، دون حشو ولا وعود كبيرة.

التعليقات · ٠