حين تسمع قصة مؤسس احترق وانتصر — تشعر بالإعجاب. ثم تشعر بشيء آخر لا تسميه: أنك لم تحترق بما يكفي بعد. من علّمك أن الاحتراق هو الدليل؟
تخيل أنك تشاهد مقابلة مع مؤسس شركة ناجحة. في الدقائق الأولى لن يحدث شيء مختلف. سيتحدث عن البدايات، وعن التحديات، وعن أول عميل. ثم، في لحظة ما، سيقول الجملة التي ينتظرها الجميع: "كنت أنام ثلاث ساعات فقط." وفجأة يتغير كل شيء. ترتفع نبرة الإعجاب، وتمتلئ التعليقات بعبارات مثل: "هذا هو الشغف الحقيقي." أو "لهذا نجح."
الغريب أن هذه الجملة لا تُروى كجزء من القصة، بل كأنها وسام شرف. كلما كان الاحتراق أكبر، بدا النجاح أكثر استحقاقًا. وكلما كانت المعاناة أشد، شعر الناس أن النهاية أصبحت أكثر إلهاً. وكأن الألم لم يعد ثمنًا دفعه هذا المؤسس... بل أصبح دليلًا على أنه يستحق ما وصل إليه.
لكن دعنا نتوقف لحظة. ماذا لو روى مؤسس آخر قصة مختلفة؟ قال إنه بنى شركته وهو ينام جيدًا، ويأخذ إجازاته، ويحافظ على صحته وعلاقاته، ولم يكن يرى أن استنزاف نفسه جزء من النجاح. هل تعتقد أن قصته ستنتشر بالقدر نفسه؟ أم أننا، دون أن نشعر، أصبحنا ننجذب إلى نوع معين من القصص، لأنها توافق صورة راسخة في أذهاننا عن شكل "المؤسس الحقيقي"؟
قد تظن أن كل هذا بدأ مع السوشال ميديا، أو مع ثقافة الشركات الناشئة، أو مع البودكاستات التي تمتلىء بقصص "اعمل أكثر... تنجح أكثر." لكن الحقيقة أن هذه الفكرة أقدم بكثير. فمنذ أكثر من مئة عام، بدأ بعض علماء الاجتماع يلحظون أن الناس لم يعودوا يعملون فقط من أجل كسب لقمة العيش، بل لأن العمل نفسه يصبح يحمل قيمة أخلاقية. كلما عمل الإنسان أكثر، بدا في أعين الناس أكثر التزامًا، وأكثر استحقاقًا للاحترام.
ومن أوائل من التقط هذه الفكرة عالم الاجتماع ماكس فيبر. لم يدرس الشركات، ولا رواد الأعمال، لكنه كان يحاول أن يفهم سؤالًا بسيطًا: لماذا يشعر بعض الناس أن العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل واجب أخلاقي يجب أن يكرسوا له حياتهم؟ توصل فيبر إلى أن هناك ثقافة بدأت تربط بين قيمة الإنسان، وبين مقدار ما ينتجه. ومع الوقت، لم يعد الاجتهاد مجرد سلوك جميل، بل أصبح معيارًا يُقاس به الإنسان نفسه.
قد تكون هذه الفكرة وُلدت في سياق ديني مختلف، لكن المدهش أنها لم تختفِ عندما تغير العالم، بل غيّرت شكلها فقط. فاليوم، لم يعد أحد يقول لك إن الراحة خطيئة. لكن الرسائل التي تسمعها كل يوم تقول الشيء نفسه بلغة حديثة: إذا كنت ترتاح أكثر من غيرك، فأنت أقل طموحًا. وإذا توقفت، سبقك الآخرون. وإذا لم تكن منشغلاً باستمرار، فلا بد أنك لا تريد النجاح.
بما يكفي. وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بعدد الساعات التي يستهلكها، لا بجودة الحياة التي يبنيها.
لكن الأفكار لا تبقى كما هي. إنها تتغير مع الزمن، وتغيّر ملابسها، ثم تعود إلينا وكأنها وُلدت للتو. الفكرة التي لاحظها فيبر قبل أكثر من قرن، لم تختفِ. بل دخلت عالم الأعمال، وخرجت منه بصورة جديدة تمامًا. لم يعد أحد يقول لك إن العمل فضيلة أخلاقية، بل أصبح يقول لك شيئًا يبدو أكثر عقلانية: استثمر وقتك، استثمر طاقتك، استثمر نفسك.
بهدوء، بدأ الإنسان ينظر إلى نفسه بطريقة مختلفة. لم يعد يرى جسده مجرد جسد يحتاج إلى الراحة، بل أصلًا يجب أن يحافظ على إنتاجيته. ولم يعد يرى وقته مساحة يعيش فيها، بل موردًا ينبغي أن يحقق أعلى عائد ممكن. وحتى النوم، والرياضة، والعلاقات، أصبحت تُقدَّم أحيانًا باعتبارها وسائل لتحسين الأداء، لا لأنها جزء من حياة إنسانية متوازنة.
وهنا حدث تحول عميق جدًا. لم نعد نعمل فقط داخل الشركات، بل بدأ كثير منا يدير نفسه بالطريقة التي تُدار بها الشركات. نحاسب أنفسنا باستمرار، ونقيس قيمتنا بما أنجزناه، ونشعر بالذنب كلما مر يوم لم يكن "منتجًا" بما يكفي.
لهذا، لم تعد ريادة الأعمال تُقدَّم باعتبارها مهنة فحسب، بل باعتبارها النموذج المثالي للإنسان الذي لا يتوقف عن الإنتاج، ولا يتوقف عن تطوير نفسه، ولا يسمح لنفسه أن يهدأ. ومع كثرة تكرار هذه الصورة، بدأ كثير من المؤسسين يظنون أن التعب المستمر ليس ثمنًا مؤقتًا للنجاح، بل شرطًا من شروطه.
توقف للحظة، واسأل نفسك سؤالًا بسيطًا. لماذا حين يخبرك أحد المؤسسين أنه لم يأخذ إجازة منذ ثلاث سنوات، لا تشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي؟ بل قد تجد نفسك معجبًا بانضباطه وإصراره. وفي المقابل، لماذا يبدو المؤسس الذي ينهي عمله في وقت معقول، ويقضي وقتًا مع عائلته، ويعتني بصحته، وكأنه أقل شغفًا أو أقل جدية؟ مع أن كليهما بنى شركة. وكليهما يعمل. وكليهما يسعى للنجاح.
من الذي جعل صورة تبدو طبيعية، بينما تبدو الأخرى استثناءً يحتاج إلى تبرير؟ هذا هو السؤال الذي حاول الفيلسوف تشارلز تايلور أن يجيب عنه من خلال مفهوم أسماه "المخيال الاجتماعي". وهو ببساطة تلك الصورة الجماعية التي نحملها عن العالم، والتي تخبرنا بصمت: هذا طبيعي... وهذا غريب. هذا هو النجاح... وهذا ليس كذلك. والمشكلة أن هذا المخيال لا يولد معنا، ولا يفرض نفسه علينا بالقوانين. بل يتشكل بهدوء شديد، من القصص التي نسمعها، ومن الأشخاص الذين نصفق لهم، ومن الصور التي تتكرر أمامنا حتى تتحول، دون أن نشعر، إلى الطريقة الوحيدة التي نتخيل بها النجاح.
قد تظن أن هذه الثقافة تستمر لأنها تُفرض علينا من الخارج. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك. فالأفكار لا تعيش طويلًا لأنها قوية فقط، بل لأنها تجد من يحملها، ويكررها، ويدافع عنها، دون أن يشعر. وهذا ما لاحظه عالم الاجتماع بيار بورديو. فهو يرى أن كثيرًا من الأنظمة لا تحتاج إلى أن
تجبر الناس على طاعتها، لأن الناس، مع مرور الوقت، يتبنون قيمها، ثم يبدأون في نشرها بأنفسهم، وكأنها حقائق بديهية لا تحتاج إلى نقاش.
ولهذا، عندما ينشر أحدهم قصة مؤسس يقول إنه كان يعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم، لا يتوقف معظمنا ليسأل: هل كان هذا صحيًا؟ وهل كان ضروريًا؟ وهل هذا هو الطريق الوحيد لبناء شركة ناجحة؟ بل نشارك القصة بإعجاب، ونكتب تحتها: "هذا هو الشغف الحقيقي." وهنا، دون أن نشعر، لا نكون مجرد متفرجين على هذه الثقافة... بل نصبح جزءًا من استمرارها. نصفق لها. وننقلها لغيرنا.
ثم يأتي مؤسس شاب يقرأ هذه القصص، فيبدأ بقياس نفسه عليها، ويشعر بالذنب كلما نام جيدًا، أو أخذ إجازة، أو أغلق حاسوبه قبل منتصف الليل. وهكذا تستمر الدائرة. ليس لأن أحدًا أجبره على الاحتراق... بل لأنه تعلّم، بصمت، أن الاحتراق هو الثمن الطبيعي لأي نجاح يستحق الاحترام.
وهنا نصل إلى فكرة أراها من أكثر الأفكار تحريرًا في علم الاجتماع. نحن، كبشر، نميل إلى تفسير كل ما نعيشه باعتباره مشكلة شخصية. فإذا شعرنا بالإرهاق، قلنا: "أنا ضعيف." وإذا عجزنا عن التوقف، قلنا: "أنا لا أعرف كيف أوازن." وإذا لازمنا الشعور بأننا لم نفعل ما يكفي، اعتقدنا أن المشكلة في طموحنا أو في شخصياتنا. لكن ماذا لو لم تبدأ القصة منك أصلًا؟
ماذا لو أن جزءًا مما تعيشه هو نتيجة لمعايير ظللت تتنفسها سنوات طويلة، حتى أصبحت تبدو لك وكأنها صوتك الداخلي؟ هذا ما حاول عالم الاجتماع رايت ميلز أن يلفت انتباهنا إليه. فهو يرى أن كثيرًا مما نعتبره إخفاقًا شخصيًا، هو في الحقيقة انعكاس لبنية اجتماعية أوسع، صنعت معايير معينة للنجاح، ثم جعلتنا نحاسب أنفسنا عليها وكأنها اخترناها بحرية. وهذا لا يعني أن الإنسان بلا مسؤولية، ولا يعني أن المجتمع يقرر كل شيء نيابة عنه. لكنه يعني شيئًا مهمًا جدًا: لا يمكنك أن تتحرر من معيار، إذا كنت تظن أنه وُلد معك.
فالخطوة الأولى ليست أن تعمل أكثر... بل أن تسأل: من الذي أقنعني أصلًا أنني لا أفعل ما يكفي؟ لأن السؤال الذي يحررك، ليس دائمًا: "كيف أغيّر نفسي؟" أحيانًا يكون: "أي الأفكار التي أعيش بها ليست أفكاري أصلًا؟"
