مؤسس يفوّض ولا يفتح التقرير قبل إرساله. ومؤسس يطلب التقرير لمراجعته قبل أي خطوة. نفس الفريق. نفس المرحلة. الفرق ليس الثقة. الفرق قدرة واحدة — موجودة عند أحدهما وغائبة عند الآخر.
منذ ثلاثة أشهر، اتخذ خالد قرارًا كان يؤجله منذ سنوات. فوّض مدير التشغيل، ومنحه الصلاحيات التي كان يحتفظ بها لنفسه، وأخبر الجميع أنه لم يعد يريد أن تكون كل التفاصيل معلقة به. بدا الأمر وكأنه بداية مرحلة جديدة، مرحلة يخرج فيها من الإدارة اليومية ليمنح فريقه مساحة أكبر. لكن شيئًا غريبًا كان يحدث بعد كل هذا.
في كل مرة يرسل مدير التشغيل تقريرًا إلى أحد العملاء، يشعر خالد برغبة لا يستطيع مقاومتها. يفتح حاسوبه، ويطلب نسخة من التقرير، ويقرأه كلمة كلمة. أحيانًا لا يغيّر شيئًا، وأحيانًا يعدّل سطرًا أو ملاحظة صغيرة، ليس لأنها ستغيّر النتيجة، بل لأنه لا يستطيع أن يترك التقرير يخرج دون أن تمر عيناه عليه. ولو سألته: "هل مديرك غير كفء؟" سيجيب فورًا: "لا، بل هو من أفضل الأشخاص الذين عملوا معي". إذن... لماذا يعود في كل مرة إلى السلوك نفسه؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن نبدأ منه.
عادةً، عندما يرى الناس سلوك خالد، يصلون إلى التفسير نفسه بسرعة. يقولون إنه لا يثق بفريقه، أو إنه لا يعرف كيف يفوّض، أو إنه يعاني من هوس السيطرة. ثم يبدأ الجميع في تقديم الحلول التي تناسب هذا التفسير؛ درّبه على التفويض، ابن الثقة بينه وبين مديره، علّمه أن يترك التفاصيل الصغيرة. وربما يقتنع خالد بكل ذلك. يقرأ الكتب، ويحضر الدورات، ويحاول أن يقنع نفسه بأن يترك الفريق يعمل. لكنه، بعد أسابيع أو أشهر، يجد نفسه يعود إلى النقطة نفسها لا لأنه لم يفهم، ولا لأنه لم يحاول، بل لأننا كنا نعالج الخطأ منذ البداية. فعندما يكون السؤال غير صحيح، حتى أفضل الحلول تقودنا إلى الطريق الخطأ.
لهذا أفضل أن أبدأ من سؤال مختلف تمامًا. بدل أن أسأل: "لماذا لا يثق خالد بمديره؟" أسأل: "ما الذي يحتاجه خالد حتى يصبح قادرًا على ترك التقرير يخرج، دون أن يشعر أنه مضطر إلى مراجعته؟" لاحظ الفرق بين السؤالين. السؤال الأول يبحث عن عيب في شخصية خالد. أما السؤال الثاني، فيبحث عن قدرة لم تُبنَ بعد.
وهذا الفرق ليس لغويًا، بل يغيّر الطريقة التي نفهم بها الإنسان كله. لأنك عندما تبحث عن العيب، ستقضي وقتك في محاولة إصلاح الشخصية. أما عندما تبحث عن القدرة، فأنت تنتقل مباشرة إلى ما يمكن بناؤه وتدريبه. ولهذا، فأنا أتعامل مع هذا السلوك باعتباره دليلًا على ضعف الثقة، بل باعتباره إشارة تقول: هناك قدرة نفسية لم تتشكل بعد، وما دام القدرة غير واضح، سيبقى الحل ضبابيًا أيضًا.
وهنا نصل إلى الجزء الذي يغيّر طريقة فهمنا للمشكلة كلها. أنا لا أعتقد أن خالد يحتاج أن "يثق أكثر". لأن كلمة الثقة واسعة جدًا، حتى إنها لا تخبرنا ماذا ينبغي أن نتدرب عليه. إذا قلت لك: "ابن ثقتك." فما الذي ستفعله غدًا؟ لن تعرف. لكن عندما نسمّي القدرة بدقة، تصبح الصورة مختلفة تمامًا.
خالد لا يبحث عن مزيد من الثقة، بل يحتاج إلى قدرة أكثر تحديدًا من ذلك بكثير. يحتاج إلى أن يبقى هادئًا في المسافة الفاصلة بين لحظة التفويض، ولحظة ظهور النتيجة. يحتاج أن يحتمل غياب المعلومة، دون أن يشعر أن عليه التدخل فورًا ليهدئ قلقه. قد يبدو هذا فرقًا صغيرًا في الكلمات، لكنه في الحقيقة فرق كبير في التدريب. لأن المشكلة لم تعد: "أنا شخص لا يثق." بل أصبحت: "هناك فترة زمنية قصيرة لا أستطيع البقاء فيها مستقرًا، ما لم أعرف ماذا يحدث."
وعندما نصل إلى هذا المستوى من الدقة، تتغير اللغة كلها. لم يعد الهدف أن يصبح خالد أكثر ثقة، بل أن يبني قدرة محددة جدًا: القدرة على البقاء مستقرًا في غياب المعلومة، دون الحاجة إلى استعادتها حتى يشعر بالأمان. وهنا فقط يصبح التدريب ممكنًا. لأنك لا تستطيع أن تدرب شخصًا على "الثقة" بوصفها فكرة عامة، لكنك تستطيع أن تدربه على احتمال الغموض، أو تأجيل الاطمئنان، أو البقاء هادئًا حتى تظهر النتيجة.
قد تتساءل الآن: إذا كانت هذه القدرة بهذه الأهمية، فلماذا لم أبنها من قبل؟ لأن شركتك لم تكن تحتاجها. في السنوات الأولى، كانت الشركة تعيش مرحلة مختلفة تمامًا. كانت مرحلة البقاء، حيث كان أي تأخير في اكتشاف الخطأ قد يكلفك عميلًا، أو صفقة، أو ربما الشركة كلها. في تلك المرحلة، كان الطبيعي أن تراجع كل شيء بنفسك، وأن تتدخل بسرعة، وأن تبحث باستمرار عن المعلومة قبل أن تتحول إلى مشكلة.
ولأن هذه الطريقة أنقذتك مرات كثيرة، بدأ جهازك العصبي يتعلم منها. صار يربط بين الاطلاع المستمر وبين الأمان، وبين غياب المعلومة وبين الخطر. ولم يكن هذا التعلم خطأ، بل كان استجابة ذكية جدًا لواقع كانت تعيشه شركتك في ذلك الوقت. لكن ما ينجح في مرحلة البقاء، لا ينجح دائمًا في مرحلة التوسع.
لأن الشركة اليوم لم تعد تحتاج منك أن تعرف كل شيء، بل تحتاج منك أن تبني أشخاصًا يعرفون هم كيف يتصرفون. ومع ذلك، ما زال جهازك يتعامل مع كل معلومة لا تصلك، وكأنها إنذار يستدعي التدخل. وهنا لا يكون الصراع بينك وبين مديرك... بل بين مرحلتين من حياة الشركة. مرحلة صنعت فيك استجابة كانت سببًا في بقائك، ومرحلة جديدة تتطلب قدرة مختلفة تمامًا حتى تستطيع أن تنمو.
لهذا، لو خرجت من هذا الكاروسيل بفكرة واحدة، فأرجو أن تكون هذه: ليس كل قرار تعجز عن اتخاذه، يكشف ضعفًا في شخصيتك. وأحيانًا، لا يكشف أي ضعف أصلًا. بل يكشف أن المرحلة التي وصلت إليها اليوم، أصبحت تتطلب قدرة لم تكن مضطرًا لبنائها في المراحل السابقة. خالد ليس أقل كفاءة من غيره، وليس أقل ذكاء، ولا أقل رغبة في التفويض. كل ما
في الأمر أن شركته كبرت أسرع من قدراته الداخلية، فبقي يستخدم الأدوات التي أنقذته في مرحلة البدايات، بينما أصبحت المرحلة الجديدة تحتاج أدوات مختلفة.
ولهذا، فالفرق بين مؤسس ينجح في التفويض، وآخر يبقى عالقًا في الإدارة اليومية، ليس أن الأول يملك إرادة أقوى أو شخصية أصلب. الفرق أن الأول بنى قدرة داخلية، جعلت هذا القرار ممكنًا بالنسبة له. وهنا أريدك إلى شيء مهم.
لا تقسُ على نفسك كلما وجدت قرارًا تعرف أنه صحيح، لكنك تعجز عن تنفيذه. بدل أن تسأل: "ما الذي ينقص شخصيتي؟" جرّب أن تسأل سؤالًا مختلفًا تمامًا: ما القدرة التي لم أبنها بعد، حتى يصبح هذا القرار طبيعيًا بالنسبة لي؟ لأن هذا السؤال لا يتركك عالقًا في جلد الذات... بل يفتح أمامك طريقًا واضحًا للتعلّم والنمو.
