المؤسس الذي يقول "لم أجد الشخص المناسب بعد"... هل يبحث فعلاً عن CEO؟ أم يؤجّل اليوم الذي سيضطر فيه للإجابة على سؤال أخطر من أي مرشح: من أنا حين لا تحتاج شركتي أن أكون أنا من يقودها؟
كانت الفكرة تظهر أمامه كل بضعة أشهر، ثم يبعدها قليلاً ويعود إلى عمله. المستثمرون يرون أن الشركة أصبحت أكبر من أن يقودها شخص واحد. ومستشاروه يكررون الفكرة نفسها: المرحلة القادمة تحتاج إلى CEO يستطيع أن يتفرغ للإدارة اليومية، بينما يتفرغ هو لبناء المرحلة التي تليها. وفي الحقيقة... لم تكن الفكرة جديدة عليه. بل كان يعرف، في أعماقه، أن هذا اليوم سيأتي عاجلاً أم آجلاً.
ولهذا بدأ يبحث. قرأ السير الذاتية. أجرى مقابلات. وجلس مع مرشحين يمتلكون خبرات يصعب تجاهلها. ومع كل مرشح، كان يشعر في البداية أنه ربما يكون الشخص المناسب. ثم، بعد ساعات أو أيام، يبدأ شيء آخر بالظهور. هذا ممتاز... لكن خبرته في هذا القطاع ليست عميقة بما يكفي. وذاك يمتلك خبرة قيادية كبيرة... لكنه لا يشبه ثقافة الشركة. وثالث يبدو قريبًا جدًا... لكن لا يزال ينقصه شيء لا يستطيع أن يحدده بدقة.
ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال: "من هو أفضل مرشح؟" بل أصبح البحث نفسه يمتد، وكأن الشركة تستطيع الانتظار، أو كأن المرشح المثالي سيظهر يومًا ما. لكن هناك سؤالًا لا يطرحه على نفسه كثيرًا: هل أنا فعلاً أبحث عن الشخص المناسب... أم أنني أبحث عن شعور يجعلني مستعدًا لأن أترك هذا المقعد؟
بل ربما لو كنت مكانك، لقلت الشيء نفسه. فتعيين CEO ليس قرارًا صغيرًا، ولا تجربة يمكن التراجع عنها بسهولة. ومن الطبيعي أن تبحث عن شخص يفهم السوق، ويحترم ثقافة الشركة، ويستطيع أن يحمل مسؤولية بهذا الحجم. لهذا، لا أعتقد أن المشكلة تكمن في أنك تضع معايير عالية. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المعايير إلى خط نهاية لا يصل إليه أحد. فكلما اقترب مرشح من الصورة التي كنت تبحث عنها، ظهرت فجأة ملاحظة جديدة، أو تحفظ جديد، أو سبب جديد يدفعك إلى تأجيل القرار.
وبعد فترة، قد تكتشف أن ما يتغير ليس المرشحون... بل تعريفك أنت لكلمة "المناسب". وكأن هذا التعريف يتحرك باستمرار، حتى يبقى القرار مؤجلاً، وحتى لا تضطر إلى مواجهة السؤال الذي يقف خلفه. ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: "هل وجدت الشخص المناسب؟" بل: "ما الذي يجب أن أشعر به أنا، حتى أقتنع أن هذا الشخص أصبح مناسبًا؟" لأن الفرق بين السؤالين كبير. الأول يجعلك تراقب المرشحين. أما الثاني، فيدعوك أن تراقب القانون الداخلي الذي يراقبهم من خلالك.
دعنا ننظر إلى هذا القرار من زاوية مختلفة. لنفترض أنك وجدت، غدًا، الشخص الذي كنت تبحث عنه منذ سنوات. يمتلك الخبرة، ويحظى باحترام الفريق، ويثق به المستثمرون، ولا يوجد سبب حقيقي لرفضه. هل تعتقد أن القرار سيصبح سهلًا؟ قد يبدو السؤال غريبًا، لكنني أعتقد أنه يستحق التأمل. لأن أصعب ما في هذا القرار، ليس توقيع عقد مع CEO جديد. بل المعنى الذي يحمله هذا التوقيع.
فمنذ أن بدأت هذه الشركة، لم تكن تقودها فقط... بل كنت أنت، في نظر نفسك ونظر الآخرين، وجهها الأول، وصوتها الأول، وصاحب القرار الأخير. ومع مرور السنوات، لم تعد القيادة مجرد مسؤولية تؤديها، بل أصبحت المكان الذي تعود إليه كلما أردت أن تتذكر من أنت داخل هذه الرحلة. ولهذا، عندما تقترب من تعيين CEO، لا يقف أمامك مرشح جديد فقط. تقف أمامك نسخة جديدة من نفسك. نسخة لم تعد تُعرّف بقربها من العمليات اليومية، ولا بعدد القرارات التي تمر عبر مكتبها، بل بدور مختلف تمامًا لم تعتد أن ترى نفسك فيه بعد.
ولهذا، قد لا يكون أكثر ما يربكك هو السؤال: "هل هذا الشخص قادر على قيادة الشركة؟" بل سؤال أكثر هدوءًا... وأكثر عمقًا: إذا لم أعد أنا من يقود الشركة كل يوم... فمن سأكون بعد ذلك؟
إذا بدأت تشعر أن هذا الكلام يلامس شيئًا في داخلك، فلا تحاول أن تبحث عن الإجابة في رأسك فقط. راقب نفسك في المواقف الصغيرة، لأنها أكثر صدقًا من الأفكار التي نقولها لأنفسنا. راقب شعورك عندما تقرأ خبرًا عن مؤسس سلّم الإدارة التنفيذية لشخص آخر. هل ترى في ذلك خطوة طبيعية في رحلة النمو؟ أم تشعر بانقباض خفيف لا تعرف له تفسيرًا، وكأن القصة تمس شيئًا يخصك أنت؟ وراقب نفسك عندما يسألك أحد: "وما هو دورك الآن داخل الشركة؟" لماذا يبدو هذا السؤال أصعب مما ينبغي؟ ولماذا تشعر أحيانًا أنك تحتاج إلى شرح طويل، وكأنك تحاول أن تثبت أن ابتعادك عن الإدارة اليومية لا يعني أن دورك أصبح أقل أهمية؟
ثم راقب خيالك، عندما تتصور أن الشركة تسير بكفاءة، وأن القرارات تُتخذ، وأن الفريق يعمل، وأن كل شيء يمضي كما ينبغي... بينما أنت لا تحضر الاجتماع، ولا توقع القرار، ولا تتدخل في التفاصيل. ما أول شعور يظهر؟ هل هو الارتياح... أم شيء يشبه الفراغ؟
هذه المشاعر لا تخبرك أن قرار تعيين CEO خطأ. إنها تخبرك فقط أن جزءًا من هويتك اعتاد أن يجد نفسه في دور معين، وأن هذا الجزء يحتاج وقتًا ليتعلم أن قيمتك يمكن أن تبقى كما هي... حتى عندما يتغير دورك.
ربما لهذا السبب، لا أرى أن تعيين CEO هو لحظة يتراجع فيها المؤسس إلى الخلف، بل لحظة يتقدم فيها إلى دور جديد. في البدايات، كانت أفضل خدمة تقدمها لشركتك أن تكون حاضرًا في كل قرار، وأن تقود الفريق بنفسك، وأن تحمل على كتفيك مسؤوليات لم يكن أحد غيرك قادرًا على حملها. لكن مع نمو الشركة، يتغير السؤال الذي يجب أن يجيب عنه المؤسس. لم
يعد السؤال: "كيف أدير الشركة بكفاءة؟" بل أصبح: "كيف أبني شركة تستطيع أن تستمر في النمو، حتى لو لم أكن أنا من يدير تفاصيلها اليومية؟"
وهنا يتغير معنى القيادة بالكامل. فالقيادة لا تعني أن تكون الشخص الذي يتخذ كل قرار، بل أن تعرف أي القرارات يجب أن تبقى بين يديك، وأيها يجب أن تنتقل إلى أشخاص بنيتهم لهذه المرحلة. وكلما نضجت الشركة، أصبح نجاحك يقاس بأمر مختلف تمامًا: ليس بعدد الملفات التي تمر عبر مكتبك، بل بعدد القادة الذين أصبحوا قادرين على حمل الشركة معك.
ولهذا، فإن تعيين CEO ليس إعلانًا بأن دورك انتهى، بل إعلان بأن دورك تغيّر. فأنت لا تترك شركتك، بل تترك المكان الذي لم تعد الشركة تحتاجك فيه، لتتفرغ إلى المكان الذي لا يستطيع أحد أن يحل محلك فيه؛ بناء الرؤية، واستشراف المستقبل، واتخاذ القرارات التي تحدد إلى أين ستذهب الشركة في السنوات القادمة. ولهذا، فالمؤسس لا يفقد هويته عندما يسلّم القيادة اليومية. بل يمنح نفسه الفرصة ليبني هوية أكبر، تتناسب مع حجم الشركة التي نجح في بنائها.
ربما لهذا السبب، لا أرى أن السؤال الأهم هو: "هل ستعيّن CEO أم لا؟" السؤال الذي يستحق أن تتوقف عنده هو: هل هويتك القيادية نمت بالسرعة التي نمت بها شركتك؟ لأن كثيرًا من المؤسسين يبنون شركات كبيرة، لكنهم يظلون يقودونها بعقلية المرحلة الأولى. ليس لأنهم لا يعرفون ما يجب فعله، بل لأن جزءًا منهم ما زال يجد قيمته في الدور الذي لعبه لسنوات، ويخشى أن يفقد نفسه إذا غادره. لكن الحقيقة أن الشركة، مثل الإنسان، تمر بمراحل. وكل مرحلة تطلب نسخة جديدة من قائدها.
فإذا بقيت متمسكًا بالدور الذي احتاجتك فيه البدايات، قد تصبح أنت، دون أن تقصد، السقف الذي يمنع المرحلة التالية من الظهور. أما المؤسس الذي ينضج مع شركته، فهو لا يقيس قيمته بعدد القرارات التي يتخذها بنفسه، ولا بعدد الساعات التي يقضيها في الإدارة اليومية. بل يقيسها بسؤال مختلف تمامًا: هل ما زلت أتمسك بالدور الذي اعتدت عليه... أم أنني أمتلك الشجاعة لأن أصبح القائد الذي تحتاجه هذه المرحلة؟
