سلسلة المؤسسين

متى أصبحت أنت وشركتك شيئًا واحدًا؟

وردة٢٣ أغسطس ٢٠٢٦6 دقائق قراءة٠
متى أصبحت أنت وشركتك شيئًا واحدًا؟

*آخر مرة سألك أحد: كيف حالك؟ أجبت عن الشركة. متى أصبحت أنت وهي نفس الشيء؟*

ربما حدث معك هذا الموقف أكثر من مرة. تكون في لقاء عائلي، أو تجلس مع أصدقاء قدامى لم ترهم منذ سنوات. يسألك أحدهم، بعفوية: "كيف حالك؟" فتبدأ الحديث مباشرة عن الشركة. تتحدث عن الفرع الجديد، أو عن الموظفين، أو عن الصفقة التي تنتظر إغلاقها، أو عن التحديات التي تعيشها هذه الأيام. وحين ينتهي الحديث، تشعر أنك أجبت عن السؤال... مع أنك، في الحقيقة، لم تتحدث عن نفسك ولو مرة واحدة. ولعل الأغرب من ذلك، أنك لا تلاحظ هذا أصلًا لا لأنك تحاول الهروب من الحديث عن نفسك، بل لأن الشركة أصبحت، بهدوء شديد، اللغة التي تتحدث بها عن نفسك.

وكأن السؤال: "كيف حالك؟" أصبح يعني تلقائيًا: "كيف تسير شركتك؟" وهنا يستحق الأمر أن نتوقف قليلًا. هل نحن من اختار أن تصبح هويتنا مرتبطة بهذا الشكل بعملنا؟ أم أن هناك قصة أكبر منا، بدأت قبل أن نؤسس شركاتنا بوقت طويل؟

قد يبدو الأمر وكأنه عادة شخصية، لكنه في الحقيقة يعكس تحولًا أعمق بكثير في الطريقة التي أصبحنا ننظر بها إلى الإنسان. منذ أكثر من مئة عام، حاول عالم الاجتماع ماكس فيبر أن يفهم لماذا بدأت المجتمعات الحديثة تمنح العمل مكانة لم تكن له من قبل. لم يعد العمل مجرد وسيلة نكسب منها رزقنا، بل أصبح شيئًا نقيس به قيمة الإنسان، ونحكم من خلاله على جديته، وانضباطه، وحتى استحقاقه للاحترام. ولهذا تغيّر نوع الأسئلة التي نتبادلها. لم يعد السؤال الأول في اللقاءات: "من أنت؟" بل أصبح: "ماذا تعمل؟"

وقد يبدو الفرق بسيطًا، لكنه ليس كذلك. لأن الإجابة عن السؤال الثاني لا تخبر الناس فقط كيف تكسب رزقك، بل أصبحت، في كثير من الأحيان، الطريقة التي تعرّف بها نفسك أيضًا. ومع مرور الوقت، لم يعد العمل مجرد جزء من الهوية... بل بدأ يحتل المساحة التي كانت الهوية تعيش فيها. ولهذا، عندما يبني شخص شركة، لا يشعر أحيانًا أنه يملك مشروعًا فقط... بل يشعر، دون أن ينتبه، أنه بدأ يبني تعريفًا جديدًا لنفسه.

لكن التحول لم يتوقف عند أن تُعرّف الإنسان بعمله. مع الوقت، بدأت الحدود بين الإنسان وعمله تختفي شيئًا فشيئًا. في الماضي، كان بإمكانك أن تقول: "لدي شركة." أما اليوم، فكثير من المؤسسين يشعرون، دون أن ينتبهوا، أن الجملة أصبحت: "أنا شركتي."

قد يبدو الفرق في الكلمات بسيطًا، لكنه يغيّر كل شيء. لأن الشركة لم تعد مشروعًا تديره، بل أصبحت العدسة التي ترى بها نفسك، وتقيس بها نجاحك، وتفسر بها قيمتك. ولهذا، لم يعد نجاح

الشركة خبرًا سعيدًا فقط... بل أصبح شعورًا بأنك ناجح. ولم تعد خسارة الشركة خسارة مالية فقط... بل أصبحت، أحيانًا، هزة تمس صورتك عن نفسك.

وهذا أحد التحولات العميقة التي صنعتها الثقافة المعاصرة. فلم تعد تطلب من الإنسان أن ينجح في مشروعه فقط، بل جعلت المشروع يمتد تدريجيًا ليحتل مساحة أكبر من هويته، حتى أصبح التفريق بين الاثنين أكثر صعوبة مما نتخيل.

وقد تتساءل: إذا كان هذا التحول عميقًا إلى هذا الحد، فلماذا لا نشعر به؟ لماذا لا ينتبه معظم المؤسسين إلى أنهم، شيئًا فشيئًا، توقفوا عن الحديث عن أنفسهم خارج الشركة؟ الإجابة، في رأيي، لا تتعلق بالمؤسس وحده، بل بالطريقة التي ننظر بها جميعًا إلى النجاح. الفيلسوف تشارلز تايلور يصف هذا بما يسميه المخيال الاجتماعي. وهو ليس مجموعة أفكار نؤمن بها عن وعي، بل الصورة الجماعية التي تجعل بعض الأشياء تبدو بديهية، فلا نفكر أصلًا في مساءلتها.

ولهذا، لا يبدو غريبًا أن يعرّف مؤسس نفسه باسم شركته. ولا يبدو غريبًا أن يصبح أول سؤال يطرحه على نفسه صباحًا: "كيف تسير الشركة؟" قبل أن يسأل: "كيف أشعر أنا اليوم؟" ولا يبدو غريبًا أن يقضي سنوات كاملة يبني مشروعه، ثم يكتشف أنه لم يترك لنفسه مساحة تنمو خارج هذا المشروع. ليس لأن أحدًا طلب منه ذلك... بل لأن هذه أصبحت الصورة الطبيعية للنجاح في المخيال الذي نعيش داخله. والمشكلة في أي مخيال اجتماعي، أنه لا يقول لك: "افعل هذا." بل يجعلك تشعر أن كل ما عداه غير طبيعي.

قد يقول قائل: "لكنني اخترت هذا الطريق بنفسي." وهذا صحيح. أنت اخترت أن تؤسس شركة. واخترت أن تتحمل مسؤولية هذا المشروع. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تختار أن تؤسس شركة... وبين أن تتحول الشركة، مع مرور السنوات، إلى المكان الوحيد الذي تعرف نفسك من خلاله. وهنا تأتي ملاحظة جميلة لعالم الاجتماع بيار بورديو. فهو يرى أن كثيرًا من السلوكيات لا نكررها لأنها مفروضة علينا، بل لأنها، مع الزمن، تصبح جزءًا من طريقتنا في رؤية أنفسنا والعالم. تتكرر مرة بعد مرة، حتى تتحول إلى ما يشبه الطبيعة الثانية.

ولهذا، لا يستيقظ المؤسس كل صباح ليقرر أن يذيب هويته في شركته. الأمر يحدث بهدوء شديد. في البداية، يعرّف نفسه بالشركة لأنها أكبر مشروع في حياته. ثم يصبح نجاح الشركة هو أكثر ما يمنحه الشعور بالقيمة. ثم تصبح كل محادثاته تدور حولها. ثم يبدأ، دون أن ينتبه، بفقدان اللغة التي يتحدث بها عن نفسه خارجها. ليس لأنه لا يملك حياة أخرى... بل لأنه لم يُتح لها الوقت الكافي لتنمو.

وحين يصل إلى هذه المرحلة، لا يعود يقول: "أنا أدير شركة." بل يشعر، في أعماقه، أن الشركة أصبحت الامتداد الطبيعي لذاته. وهنا تكمن قوة ما يسميه بورديو الهابيتوس؛ فهو لا يجعلك تؤدي الدور بإتقان فقط... بل يجعلك تنسى أن بينك وبين هذا الدور مسافة أصلًا.

ولو نظرنا إلى هذا المشهد من زاوية أوسع، سنكتشف أن ما يعيشه كثير من المؤسسين ليس حالة فردية، ولا قصة تخص شخصًا بعينه. عالم الاجتماع سي رايت ميلز كان يدعونا دائمًا إلى القيام بخطوة صغيرة، لكنها تغيّر طريقة فهمنا لأنفسنا بالكامل. كان يقول: قبل أن تعتبر ما

تعيشه مشكلة شخصية، اسأل نفسك أولًا: هل أنا الوحيد الذي يعيش هذا؟ أم أن هناك نمطًا يتكرر عند آلاف الأشخاص الذين يعيشون الظروف نفسها؟ وهذا السؤال مهم جدًا هنا.

لأن المؤسس الذي يجد صعوبة في الحديث عن نفسه خارج شركته، قد يظن أن شخصيته هي المشكلة، أو أنه أهمل حياته الخاصة أكثر من اللازم. لكن عندما نرى أن هذا النمط يتكرر عند عدد هائل من المؤسسين، وفي بلدان مختلفة، وثقافات مختلفة، يصبح من الصعب أن نفسره باعتباره عيبًا في شخصية كل واحد منهم. الأقرب إلى الواقع، أن نسأل سؤالًا آخر: ما الذي يحدث في ثقافة ريادة الأعمال، حتى يصبح هذا الاندماج بين الإنسان وشركته تجربة تتكرر بهذا الشكل؟

وهنا تبدأ السوسيولوجيا. لأنها لا تنقل اهتمامنا من الإنسان إلى المجتمع، ولا تلغي مسؤولية الإنسان... بل تساعدنا على رؤية العلاقة بين الاثنين. فما نعيشه في داخلنا، لا يتشكل دائمًا في داخلنا فقط.

النشرة البريدية

مقال جديد كل أسبوع، دون حشو ولا وعود كبيرة.

التعليقات · ٠