مؤسس يعترف أمام مجلسه بأن قراره كان خاطئاً — ومؤسس يُقدِّم تبريرات حتى حين الأرقام تقول غير ذلك. القدرة الغائبة: الاعتراف بالخطأ أمام من يحترمهم — دون أن يشعر أنه فقد قيمته كقائد.
منذ أشهر، ومحمد يعرف في داخله أن ذلك القرار لم يكن صائبًا. لم يحتج أحد أن يقنعه، فالأرقام كانت تتحدث بوضوح، والنتائج كانت تقول ما لا يريد أن يقوله بصوت مرتفع. ومع كل اجتماع لمجلس الإدارة، كان يدخل وهو يعرف أن هذا الملف سيُفتح من جديد. يسمع الأسئلة، ويستمع إلى الملاحظات، ويعرف إلى أين يتجه الحديث، لكنه، في كل مرة، يجد نفسه يشرح الظروف، ويعيد ترتيب الأحداث، ويبحث عن تفاصيل صحيحة تخفف من ثقل الحقيقة الأكبر. وليس لأن محمد يحاول خداع مجلس الإدارة.
بل لأنه، في تلك اللحظة، لا يشعر أنه يدافع عن قرار استراتيجي فقط. يشعر، دون أن ينتبه، أنه يدافع عن صورته كقائد. ولهذا يصبح الاعتراف الكامل أصعب بكثير مما يبدو من الخارج. لأن الجملة التي يسمعها الآخرون هي: "لقد أخطأت." أما الجملة التي يسمعها هو في داخله، فهي شيء مختلف تمامًا: "ربما لم أعد القائد الذي ظننت أنني عليه."
عندما يرى الناس محمد يتجنب الاعتراف بخطئه، غالبًا ما يصلون إلى النتيجة نفسها. يقولون إنه يخاف من المواجهة، أو إنه يفتقر إلى الشفافية، أو إنه ما زال أسيرًا للأنا. وقد تبدو هذه التفسيرات منطقية، لأنها تصف ما يراه الجميع على السطح. ولهذا تأتي الحلول متشابهة أيضًا. درِّبه على القيادة الشفافة. شجعه على الاعتراف بالأخطاء. ابنِ بينه وبين مجلس الإدارة مزيدًا من الثقة. وربما يستمع محمد إلى كل هذه النصائح، ويقتنع بها، بل ويحاول تطبيقها في الاجتماع التالي.
لكن، عندما تأتي اللحظة نفسها، يجد الكلمات تتوقف عند حلقه مرة أخرى. وهنا أعتقد أننا يجب أن نتوقف قليلًا. ليس لأن النصائح سيئة... بل لأنها تحاول تغيير السلوك، قبل أن تفهم ما الذي يجعل هذا السلوك ضروريًا بالنسبة لمحمد. وعندما نخطئ في تشخيص المشكلة، يصبح من الطبيعي أن يبقى السلوك كما هو، حتى لو كانت النصيحة صحيحة في ظاهرها. لأن الإنسان لا يتمسك بسلوك يرهقه عبئًا... بل يتمسك به، غالبًا، لأنه يؤدي وظيفة لا نراها بعد.
ولهذا، لا أعتقد أن السؤال الأكثر فائدة هو: "كيف نجعل محمد أكثر شفافية؟" لأن الشفافية هي السلوك الذي نراه في النهاية، وليست القدرة التي تصنع هذا السلوك. السؤال الذي يهمني أكثر هو: ما الذي يحتاج أن يبقى ثابتًا داخل محمد، حتى يستطيع أن يقف أمام مجلس الإدارة، ويقول بكل وضوح: لقد أخطأت... دون أن يشعر أن مكانته كقائد بدأت تنهار؟ هذا السؤال يغيِّر كل شيء.
لأنه ينقلنا من محاولة تعديل التصرف، إلى البحث عن البنية الداخلية التي تجعل هذا التصرف ممكنًا. فالإنسان لا يعترف بخطئه لأنه تعلم مهارة الاعتراف فقط. بل لأنه يمتلك شيئًا أعمق من ذلك... يمتلك القدرة على أن يفصل بين قيمة نفسه، وبين جودة القرار الذي اتخذه. وعندما تصبح قيمة الإنسان معلقة بكل قرار ينجح أو يفشل، يصبح الاعتراف بالخطأ أشبه بالاعتراف بانهيار الذات. أما عندما تستقر القيمة في مكان أعمق... يتحول الخطأ إلى معلومة يمكن مناقشتها، لا إلى حكم على الشخص كله.
أنا لا أعتقد أن محمد يحتاج إلى مزيد من الشجاعة، ولا إلى دورة في الشفافية، لأن كل هذه العناوين ما زالت عامة جدًا، ولا تخبرنا ما الذي ينبغي أن نتدرب عليه فعلًا. ما يحتاجه محمد، في رأيي، هو قدرة أكثر دقة من ذلك بكثير. أن يستطيع أن يقف أمام أشخاص يحترمهم، ويعترف بأن قرارًا مهمًا لم يكن صائبًا، من دون أن يشعر، في اللحظة نفسها، أن قيمته كقائد أصبحت موضع شك. قد تبدو هذه جملة طويلة، لكنها تصف قدرة واحدة محددة. قدرة تسمح للإنسان أن يفصل بين أمرين كثيرًا ما يختلطان علينا:
أنا أخطأت في هذا القرار. وأنا قائد فاشل.
الفرق بين الجملتين ليس لغويًا... بل هو الفرق بين إنسان يستطيع أن يتعلم من أخطائه، وإنسان يضطر إلى الدفاع عنها، لأن كل خطأ يهدد الصورة التي يحملها عن نفسه. ولهذا، فأنا لا أسمي هذه قدرة على الاعتراف بالخطأ. بل أسميها القدرة على أن تبقى قيمتك مستقرة، بينما تعيد تقييم قراراتك بصدق. وعندما تُبنى هذه القدرة، يصبح الاعتراف بالخطأ نتيجة طبيعية... وليس معركة يخوضها الإنسان مع نفسه في كل مرة.
إذا تأملت هذه القدرة، قد يخطر ببالك سؤال مهم: لماذا لم تُبَنَ عند محمد منذ البداية؟ والإجابة، في رأيي، ليست لأن شخصيته ضعيفة، ولا لأنه يرفض التعلم. بل لأن الرحلة التي أوصلته إلى هذا المكان، كانت تكافئ شيئًا مختلفًا تمامًا. في السنوات الأولى من بناء الشركة، كان المؤسس مطالبًا بأن يبدو واثقًا أمام فريقه، وحاسمًا أمام المستثمرين، ومتماسكًا في لحظات لم يكن يملك فيها كل الإجابات. وفي كثير من الأحيان، كان هذا التماسك يساعد الشركة فعلًا على العبور من المراحل الأصعب.
ومع تكرار هذه التجارب، بدأ جهازه الداخلي يتعلم رسالة بسيطة، لكنها شديدة التأثير: كلما بدوت أكثر يقينًا... بقيت قيمتك محفوظة. ولذلك، لم يكن الاعتراف بالخطأ مجرد جملة يصعب قولها. بل بدا، في أعماقه، وكأنه مخاطرة بمكانته نفسها. لكن المشكلة أن الشركة لم تعد في مرحلة البقاء. فالمرحلة التي كانت تحتاج قائدًا يبدو أنه لا يهتز، أصبحت اليوم تحتاج قائدًا يستطيع أن يرى الواقع كما هو، حتى لو كشف هذا الواقع أن أحد قراراته لم يكن صائبًا. وهنا لا يكون المطلوب أن يتغير محمد... بل أن يبني قدرة جديدة، تناسب المرحلة الجديدة التي وصلت إليها شركته.
ولهذا، إذا خرجت من هذا الكاروسيل بفكرة واحدة، فأرجو أن تكون هذه: ليس كل قائد يجد صعوبة في الاعتراف بخطئه، يعاني من نقص في الشفافية. وأحيانًا، لا تكون المشكلة في
الصدق أصلاً. بل في أن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة، في داخله، بقدرته على أن يبدو مصيبًا طوال الوقت. ومادامت القيمة معلقة بالكمال، سيبقى الاعتراف بالخطأ يبدو وكأنه خسارة، لا خطوة نحو التعلم. لكن القيادة في مرحلة التوسع تطلب شيئًا مختلفًا. لا تطلب قائدًا لا يخطئ... بل قائدًا لا يحتاج إلى إخفاء خطئه حتى يحافظ على مكانته.
ولهذا، فالفرق بين قائد يعترف بخطئه أمام مجلس الإدارة، وآخر يقضي أشهرًا في تبريره، ليس أن أحدهما يملك ضميرًا أكبر أو شجاعة أكثر. الفرق أن أحدهما بنى قدرة داخلية، جعلت قيمته أكثر استقرارًا من أن يحددها قرار واحد، مهما كان حجمه.
ولهذا، في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك تدافع عن قرار تعرف في أعماقك أنه لم يكن صائبًا، لا تبدأ بسؤال: "كيف أصبح أكثر شفافية؟" اسأل نفسك سؤالًا أعمق: "ما الذي يجعل الاعتراف بهذا الخطأ يبدو، في داخلي، وكأنه تهديد لقيمتي أنا، لا مجرد مراجعة لقرار اتخذته؟" لأن الإجابة عن هذا السؤال... هي بداية بناء القدرة، لا بداية جلد الذات.
