سلسلة المؤسسين

من أين جاءت صورة "المؤسس الناجح" في رأسك؟

وردة٢٣ أغسطس ٢٠٢٦8 دقائق قراءة٠
من أين جاءت صورة "المؤسس الناجح" في رأسك؟

*عندك في ذهنك صورة للمؤسس الناجح. من أين جاءت هذه الصورة — وماذا تطلب منك كل يوم؟*

في ذهن كل مؤسس تقريبًا، هناك صورة خفية لرجل أو امرأة "يستحق" أن يُسمَّى مؤسسًا حقيقيًا. هذه الصورة لا تقول الكثير عالٍ، لكنها تعمل في الخلفية كل يوم. تظهر عندما تستيقظ متعبًا، فتسأل نفسك إن كنت تبذل ما يكفي. وتظهر عندما تحتاج إلى مساعدة، فتشعر أن طلبها قد يجعلك أقل صلابة. وتظهر عندما تمرُّ بلحظة شك، فتخفيها بسرعة، لأن المؤسس الحقيقي، كما تعلمت أن تتخيله، لا يهتز كثيرًا. هو حاضر دائمًا، جاهز دائمًا، قوي دائمًا. يرى الفرص قبل غيره، يتحمل الضغط دون أن يشتكي، يعرف الطريق حتى عندما يضيع الآخرون، ثم يصل في النهاية كأن هذا الألم كان جزءًا طبيعيًا من القصة.

لكن هذه الصورة لم تولد معك. لم تستيقظ يومًا وفي داخلك تعريف كامل للمؤسس الحقيقي. لقد تكونت ببطء، من مقابلات شاهدتها، ومن قصص نجاح تكررت أمامك، ومن كتب جعلت التضحية تبدو شرطًا للعبور، ومن أشخاص أعجبت بهم إلى درجة أنك لم تكتفِ بأن تتعلم منهم، بل بدأت تقيس نفسك عليهم. ومع الوقت، لم تعد هذه الصورة مجرد إلهام. أصبحت مرآة قاسية.

كلما اقتربت منها شعرت أنك على الطريق، وكلما ابتعدت عنها قليلًا، حتى لو كنت إنسانًا طبيعيًا يتعب ويحتاج ويتردد، شعرت أن هناك شيئًا ناقصًا فيك. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل هذه الصورة تساعدك على أن تنمو... أم أنها تطلب منك كل يوم أن تثبت أن تستحق أن تكون مؤسسًا؟

إذا تأملت هذه الصورة قليلًا، ستكتشف أنها لا تخص ريادة الأعمال وحدها. فالمجتمعات، عبر التاريخ، كانت دائمًا تصنع نماذج للإنسان الذي يستحق الإعجاب. نماذج تقول لنا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: "هكذا يبدو الإنسان الناجح... وهكذا ينبغي أن تكون." ومن أوائل من انتبه إلى هذه الفكرة عالم الاجتماع ماكس فيبر. فقد لاحظ أن المجتمعات الحديثة لم تكتفِ بالحديث عن قيمة العمل، بل بدأت تمنح مكانة خاصة لنمط معين من البشر؛ الإنسان المنضبط، الذي يسيطر على رغباته، ويعمل باستمرار، ويؤجل راحته، ويُظهر للعالم أنه جدير بالثقة لأنه لا يتوقف عن الإنجاز.

بل أصبح مقياسًا نقيس أنفسنا عليه. ولهذا، عندما دخلت هذه الفكرة إلى عالم ريادة الأعمال، لم يكن السؤال فقط: "كيف تبني شركة ناجحة؟" بل أصبح، من حيث لا نشعر: "كيف تبدو مؤسسًا يستحق أن يُنظر إليه باعتباره مؤسسًا حقيقيًا؟"

ومن هنا، لم تعد المنافسة على بناء الشركات فقط... بل بدأت منافسة أكثر خفاءً: من يقترب أكثر من الصورة المثالية التي تعلمنا أن نصفق لها؟

لكن النموذج وحده لا يكفي. فأي نموذج، حتى يتحول إلى معيار اجتماعي، يحتاج إلى من يعرضه، ويكرره، ويجعله يبدو الطريق الطبيعي إلى النجاح. وهذا ما حدث في العقود الأخيرة.

لم تعد صورة "المؤسس المثالي" تنتقل من الكتب فقط، بل أصبحت صناعة كاملة تعمل على إنتاجها كل يوم. تراها في البودكاستات، وفي المؤتمرات، وفي السير الذاتية، وفي القصص التي تنتشر لأنها تثير الإعجاب. وبهدوء، بدأت هذه الصناعة لا تكتفي بأن تخبرك كيف تبني شركة... بل تخبرك أيضًا كيف ينبغي أن يكون شكلك وأسلوب حياتك وشخصيتك إذا أردت أن تُحسب ضمن "المؤسسين الحقيقيين".

وهنا تكمن الخطورة. لأن الصورة لا تُقدَّم باعتبارها تجربة نجحت مع شخص معين... بل باعتبارها النموذج الذي ينبغي للجميع أن يقتربوا منه. وكلما ابتعدت عنه، بدأ يتسلل إليك شعور خفي بأنك متأخر، أو أقل التزامًا، أو أنك لا تريد النجاح بالقدر الكافي. وهكذا، لا يعود النموذج مجرد إلهام... بل يتحول إلى ميزان تقيس به نفسك كل يوم، حتى في الأيام التي كنت تحتاج فيها فقط أن تكون إنسانًا، لا بطلًا.

قد يخطر ببالك سؤال بسيط: إذا كانت هذه الصورة مرهقة إلى هذا الحد... فلماذا يتمسك بها هذا العدد الكبير من المؤسسين؟ أحد الذين يساعدوننا على فهم هذا هو عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان. كان غوفمان يرى أن الحياة الاجتماعية تشبه المسرح أكثر مما نشعر. فكل مجتمع يكتب أدوارًا معينة، ثم يتعلم الناس، مع الوقت، كيف يؤدونها حتى ينالوا القبول والاحترام.

وليس المقصود أن الناس يمثلون أو يخدعون الآخرين. بل إنهم، مع كثرة التكرار، ينسون أحيانًا أن هناك فرقًا بين الشخص... والدور الذي اعتاد أن يؤديه. ولهذا، عندما يدخل كثير من المؤسسين عالم ريادة الأعمال، لا يتعلمون فقط كيف يبنون شركة. بل يتعلمون أيضًا كيف يبدو "المؤسس الحقيقي". كيف يتحدث. كيف يلبس. كيف يجيب عن الأسئلة. كيف يخفي تعبه. وكيف يبدو واثقًا حتى عندما لا يكون كذلك.

ومع مرور السنوات، لا يعود الأمر مجرد سلوك يتعلمه... بل يصبح شخصية كاملة يعيش داخلها. وحينها، لا يكون السؤال: "هل هذه هي طبيعتي؟" بل: "هل أجرؤ أصلًا أن أخرج من هذا الدور، إذا كان الجميع لا يعرفونني إلا من خلاله؟"

لكن يبقى سؤال مهم. لماذا تنجح بعض الصور في أسرنا أكثر من غيرها؟ ولماذا نجد أنفسنا، أحيانًا، نطارد حياة لم نجلس يومًا لنسأل إن كانت تشبهنا فعلًا؟ لأن الإنسان لا يتعلم فقط من الآخرين... بل يتعلم أيضًا ماذا يستحق أن يرغب فيه.

ترى شخصًا يحظى بالإعجاب، فتبدأ، دون أن تشعر، بالإعجاب بالأشياء التي جعلته محل إعجاب لا تقلده بالضرورة، لكنك تبدأ في الرغبة في أن تصبح مثله، وأن تعيش الحياة التي

يعيشها، وأن تنال الاعتراف الذي يناله. وهكذا، قد تكتشف بعد سنوات أنك لم تكن تطارد النجاح فقط... بل كنت تطارد الصورة التي رأيت الناس يصفقون لها. هذه الفكرة يسميها المفكر جيرار رينيه "الرغبة المحاكاتية".

أي أننا، في كثير من الأحيان، لا نختار رغباتنا من فراغ، بل نتعلمها من الأشخاص الذين أصبحوا نماذج في أعيننا. ولهذا، قد لا تعمل ست عشرة ساعة لأن شركتك تحتاج ذلك فعلًا... بل لأن الصورة التي تحملها في ذهنك عن "المؤسس الحقيقي" لا تبدو مكتملة إلا إذا عاش بهذه الطريقة. وعندها، يصبح السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: "ما الذي أريده؟" بل: "هل هذه الرغبة خرجت مني... أم خرجت من الصورة التي تعلمت أن أُعجب بها؟"

لكن أجمل ما في هذا المفهوم، أنه لا يتحدث عن الرغبات الكبيرة فقط. بل عن التفاصيل الصغيرة التي لا ننتبه إليها. فكر في عدد المرات التي قلت فيها: "أريد أن أصبح مثل هذا المؤسس." هل كنت تريد شركته فعلًا؟ أم كنت تريد الهدوء الذي يبدو عليه؟ أو الثقة التي يتحدث بها؟ أو المكانة التي يحظى بها؟ أو الطريقة التي ينظر بها الناس إليه؟

في كثير من الأحيان، لا نطارد الإنجاز نفسه... بل نطارد الشعور الذي نظن أن ذلك الإنجاز سيمنحنا إياه. ولهذا تصبح الصورة أخطر من الواقع. لأن الصورة لا تنقل لك الليالي التي لم يرها أحد، ولا العلاقات التي دفعت ثمنًا، ولا التنازلات التي لا تظهر في المقابلات. إنها تنقل لك النسخة النهائية فقط... ثم تتركك تقارن حياتك اليومية، بكل فوضاها وتعبها، بلقطة منتقاة بعناية.

وهنا تتحول الصورة من مصدر إلهام... إلى معيار تحاكم به نفسك كل يوم. ومن دون أن تشعر، تبدأ في سؤال نفسك: "كيف أصبح مثل هذا الشخص؟" قبل أن تسأل السؤال الأهم: "هل أريد حقًا أن أعيش الحياة التي عاشها إلى هناك؟"

وقد تعتقد، بعد كل هذا، أن المشكلة في قوة شخصيتك، أو في ضعف ثقتك بنفسك. لكن ماذا لو كانت البداية في مكان آخر تمامًا؟ ماذا لو أن الصورة التي تحاكم نفسك بها اليوم... لم تخترها أنت أصلًا؟ هنا يدعونا عالم الاجتماع سي رايت ميلز إلى تغيير زاوية النظر. فهو يفرق بين ما نعيشه كأنه مشكلة شخصية، وبين القوى الاجتماعية التي ساهمت في تشكيله دون أن نشعر.

فبدل أن تسأل نفسك: "لماذا لا أستطيع أن أصبح مثل ذلك المؤسس؟" يقترح عليك أن تسأل سؤالًا آخر: "من الذي رسم في ذهني صورة المؤسس الذي ينبغي أن أصبحه؟" هذا السؤال وحده يغيّر الكثير. لأنه ينقلك من محاكمة نفسك... إلى مساءلة المعيار الذي تحاكم نفسك به.

وربما تكتشف، لأول مرة، أنك لم تكن تركض طوال هذه السنوات خلف نسخة من نفسك... بل خلف صورة بناها السوق، والإعلام، وقصص النجاح، ثم أقنعك أنها الصورة الوحيدة التي تستحق أن تُعاش. وحين ترى ذلك بوضوح، لا يعني أنك سترفض التعلم من الآخرين. بل يعني أنك ستستعيد حقًا بسيطًا، لكنه ثمين: أن تختار بنفسك أي صورة تريد أن تنمو نحوها... بدل أن تعيش عمرًا كاملًا تطارد صورة اختارها غيرك.

فبدل أن تسأل نفسك:

وربما، بعد كل هذا، لا يكون السؤال الأهم هو: "كيف أصبح مؤسسًا ناجحًا؟" بل: "من الذي علّمني أصلًا كيف يبدو المؤسس الناجح؟" لأن الفرق بين السؤالين كبير. الأول يجعلك تركض طوال الوقت لتقترب من صورة جاهزة. أما الثاني، فيدعوك إلى التوقف قليلًا، والنظر إلى تلك الصورة نفسها. من رسمها؟

ومن قرر أن المؤسس الحقيقي لا يتعب، ولا يطلب المساعدة، ولا يتردد، ولا يحق له أن يعيش حياة عادية؟ وهل هذه الصورة تصف الواقع فعلًا... أم أنها مجرد قصة تكررت كثيرًا، حتى نسينا أنها قصة؟ أنا لا أدعوك إلى أن تتوقف عن الطموح. ولا إلى أن ترفض التعلم من المؤسسين الذين سبقوك. بل أدعوك إلى شيء أبسط، وأكثر حرية:

أن تختار بوعي القيم التي تريد أن تبني بها رحلتك، بدل أن ترث صورة جاهزة، ثم تقضي عمرك كله تحاول أن تصبحها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان... ليس أن يفشل في الوصول إلى الصورة التي يحملها في رأسه. بل أن يقضي حياته كلها يطارد صورة لم يجلس يومًا ليسأل: هل تشبهني أصلًا؟

النشرة البريدية

مقال جديد كل أسبوع، دون حشو ولا وعود كبيرة.

التعليقات · ٠