سوسيوبزنس

حين نقدّس الشكل وندنّس الجوهر

وردة٢٣ أغسطس ٢٠٢٦3 دقائق قراءة٠

مورد نجارة، يعرفه صاحب شركة تشطيبات من قبل حتى يفتح شركته. علاقة استمرت سنوات على الكلمة وحدها، بلا عقد، بلا ورقة. مؤخرًا، بدأ المورد يتأخر في التسليم بشكل متكرر، وكلّف صاحب الشركة خسائر فعلية — خصمًا ماليًا مباشرًا، وفرصة مشروع مستقبلي فقدها بالكامل. المؤسس يعرف الحل جيدًا: عقد مكتوب، جدول تسليم، بند تعويض. ومع ذلك، يبقى القرار معلقًا شهورًا.

المفارقة الدقيقة هنا: المؤسس نفسه لا يرى في العقد أي مشكلة — يمارس التوثيق يوميًا مع أطراف أخرى بلا أي تردد. ما يوقفه ليس قناعة شخصية، بل معرفة مسبقة بشيء مختلف تمامًا: كيف سيقرأ فعله في عين هذا الرجل بالذات.

تدنيس المقدس: حين تُخضع القيم الجامعة لمنطق ضيق

يشرح عالم الاجتماع الجزائري نور الدين طوالبي مفهوم "تدنيس المقدس" بوصفه تراجعًا في هيبة القيم الروحية والجامعة، حين تُخضع لمصالح مادية ضيقة أو لصراعات لا علاقة لها بجوهرها. الوفاء، الثقة، الكلمة الملتزم بها — هذي قيم جامعة بطبيعتها، تتجاوز أي معاملة فردية بعينها. وحين تُختزل هذي القيم في بند تعاقدي ورقم مالي، فهذا — من منظور من يقدّسها — إخضاع لها لمنطق أضيق بكثير مما تستحقه.

هذا بالضبط ما يخشاه المؤسس في قصتنا: أن يرى المورد في العقد المكتوب لحظة إخضاع لعلاقة قامت على الكلمة وحدها منذ سنوات، إلى بند وشرط ورقم.

تقديس المدنّس: حين يصير الشكل هو الغاية

لكن ثمة انحراف مقابل، أشد خفاءً، يستحق تأملاً أعمق: تقديس ما لا يستحق هذي المرتبة أصلاً — أشكال ومظاهر خارجية، تُعامل وكأنها الجوهر المقدس نفسه. الإصرار على أن تبقى العلاقة "شفهية بحتة"، وكأن الشفهية ذاتها هي القيمة، لا مجرد الوعاء الذي حملتها في مرحلة معينة، هو تحديدًا هذا النوع من الانحراف: رفع شكل التواصل (الكلمة لا الورقة) إلى مرتبة القداسة، بينما القداسة الحقيقية كانت دائمًا في المضمون — الثقة، الوفاء، الاستمرارية — لا في الوسيلة التي عبّرت عنه يومًا.

المفارقة: حين يتسبب تقديس الشكل في تدنيس الجوهر فعليًا

هنا تكمن المفارقة الأعمق في حالتنا: التمسك بقداسة الشكل (بقاء الاتفاق شفهيًا، بلا توثيق) لا يحمي الجوهر المقدّس (الثقة والعلاقة) — بل يفتح الباب أمام تدنيسه الفعلي. حين يتراكم التأخير دون حدود واضحة، ودون آلية تُعالجه، ودون أن يُقال شيء صراحة، فإن ما يتآكل ليس الشكل — بل الجوهر نفسه: الثقة تتراجع تدريجيًا، الاستياء يتراكم بصمت، والعلاقة التي أريد لها أن تبقى "نقية" بلا ورقة، تصبح مهدّدة أكثر من أي علاقة موثّقة بوضوح.

بمعنى آخر: الإصرار على تقديس المدنّس (الشكل الشفهي) هو نفسه ما يقود إلى تدنيس المقدّس (الثقة والاستمرارية) — دائرة مغلقة، لا يكسرها إلا التمييز الدقيق بين الاثنين.

كيف ينكسر الانحراف المزدوج

الخروج من هذا المأزق لا يكون بالتخلي عن القيمة الجامعة (الوفاء، الثقة) — بل بإعادتها إلى مكانها الصحيح، بعيدًا عن الشكل الذي اختزلت فيه خطأ. توثيق اتفاق، من هذا المنظور، ليس إخضاعًا للثقة لمنطق ضيق، بل حماية لها من التآكل الذي يهددها فعليًا حين تُترك بلا إطار واضح. العقد لا ينقل الجوهر من القداسة إلى الابتذال — هو الذي يحفظ الجوهر، بعد أن حررناه من شكل كان يُحسب خطأ جزءًا منه.

خلاصة

الفرق بين ما يستحق التقديس وما لا يستحقه ليس دائمًا واضحًا من الداخل. من يقف اليوم متمسكًا بشكل معين ظنًا منه أنه يحمي به قيمة عزيزة عليه، قد يكون، دون أن يدري، يسمح لهذي القيمة نفسها أن تتآكل من زاوية لم ينتبه لها. رؤية الفرق بين الوعاء والمحتوى — بين ما هو مقدس فعلاً وما اكتسب قداسة مستعارة بحكم العادة — هي أول خطوة لحماية ما يستحق الحماية فعلاً.

النشرة البريدية

مقال جديد كل أسبوع، دون حشو ولا وعود كبيرة.

التعليقات · ٠